النظام المصرفي العالمي ونهاية الترقب
إصلاحات جديدة مرتقبة تزيد السطوة التنظيمية على البنوك
المقر الرئيس لبنك التسويات الدولية أو بنك البنوك المركزية في مدينة بازل السويسرية والمسؤول عن إعداد والإشراف على التنظيمات واللوائح المصرفية العالمية.
فبينما كان الهدف العام يتمثل في وضع اللوائح المصممة للحيلولة دون تكرار الأزمة المالية لعامي 2007 و 2008، بدأت البلدان واحداً تلو الآخر تجادل من أجل الحصول على إعفاءات خاصة من شانها أن تعود بالفائدة على بنوكها المحلية. وبدأ بعض المشاركين في الاجتماع يفقد الأمل. ويقول أحدهم في هذا الشأن:'' بدا الأمر وكأننا وصلنا إلى طريق مسدود''.
وفجأة دق أحد أجراس الإنذار: فقد دبت النيران بالمطبخ. وبقدر كبير من الارتياح تم تأجيل الاجتماع وألغيت الخطط الخاصة بصدور إعلان عام.
وقد تم وضع مجموعة شاملة من الإصلاحات بعد ذلك بستة أسابيع فقط، وستعمل هذه الإصلاحات على زيادة السطوة التنظيمية على البنوك حول العالم بصورة تدريجية. أما كيف حدث ذلك، فقد كان محل تخمين من ''وول ستريت'' إلى هونغ كونغ وأبعد من ذلك.
تأمل الجهات المسؤولة عن التنظيم في أن يصبح النظام المالي أكثر أماناً بفضل اللوائح الجديدة، الأمر الذي يؤدي إلى نمو أكثر ثباتا بدلاً من حالات الطفرة والإفلاس. لكن الكثير من المصرفيين يخشون أن يجبَروا على تغيير نماذج عملهم ومن إمكانية أن تقل أرباحهم وأجورهم بشكل حاد.
هذه الحزمة، المعروفة ببازل 3 لأنها النسخة الثالثة من اللوائح التي انبثقت عن لجنة الإشراف على القطاع المصرفي التي تتخذ من مدينة بازل السويسرية مقراً لها، تضيق تعريف ما يمكن أن تعتبره البنوك رأسمال الطبقة الأولى الأساسية – وهو الأصول الرئيسة التي تحتفظ بها للتحوط ضد الخسائر. كما أنها تقضي بأن يحتفظ المقرضون بأصول سائلة تكفي لتجاوز أزمة تدوم 30 يوماً وتحدد ''نسبة مديونية'' عالمية للحد من الاقتراض البنكي الكلي.
غير أن منتقدي التسويات أو الحلول الوسط التي تم التوصل إليها في حزمة شهر تموز (يوليو) يتهمون الجهات المسؤولة عن التنظيم بالإذعان للضغط الصادر عن هذه الصناعة. فهم يشيرون ''أن اللوائح أقل حزماً بكثير مما كانت عليه في المسودة الأولى التي نشرت في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وأنه تم تأخير احد الاقتراحين الخاصين بالسيولة لإجراء مزيد من المراجعات. ويشعر بعض القائمين على بنوك التجزئة والمدافعين عن المستهلكين بالخيبة بشكل خاص لاعتقادهم بأن البنوك الاستثمارية التي يعتبرونها مسؤولة عن الأزمة المالية الأخيرة قد نجت إلى حد بعيد من الإجراءات الصارمة التي كانت ستتخذ بحقها.
واستقبل المصرفيون بصورة عامة الحزمة بالارتياح، وسرتهم إمكانية استواء الملعب العالمي، وموافقة الجهات التنظيمية على فترة انتقالية يمكن أن تدوم ثماني سنوات. ويقول كورادو باسيرا، الرئيس التنفيذي لبنك انتيسا سانباولو الإيطالي:'' لقد اتخذنا خطوة في الاتجاه الصحيح. إن مجرد وجود اتفاق يعتبر خبراً ساراً''.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. فقد تحدثت ''فاينانشال تايمز'' إلى مسؤولين عن التنظيم وعن البنوك المركزية من خمسة بلدان بالإضافة إلى 20 مصرفياً، واستشارياً ومحللاً لتحديد كيف انتقلت ''لجنة بازل من المقترحات المتشددة في شهر كانون الأول (ديسمبر) إلى التسوية التي تم التوصل إليها في شهر تموز (يوليو)، ومعرفة التغييرات الإضافية التي يحتمل إدخالها عندما يتم إعداد الحزمة للمصادقة عليها من قبل قمة مجموعة العشرين للاقتصادات الرئيسة التي ستعقد في عاصمة كوربا الجنوبية سيئول في شهر تشرين الثاني (نوفمبر).
يظهر الاستطلاع أن التغيرات كانت نتيجة لتنامي المخاوف من الأثر الذي يمكن أن تخلفه المقترحات على التعافي الاقتصادي في بداياته، أكثر مما كانت نتيجة للضغوط الأخيرة التي مارستها الصناعة المصرفية.
وعندما ضعفت الثقة بالبنوك الأوروبية إبان أزمة الدين السيادي في اليونان، وأظهر تعافي الولايات المتحدة علامات على التلاشي في شهر حزيران (يونيو)، أصبح المسؤولون عن التنظيم في سائر أنحاء العالم مرعوبين من أن يعيق الأثر الكلي لمقترحات شهر كانون الأول (ديسمبر) قدرة البنوك على الإقراض ويقلص ربحيتها إلى مستويات قد لا تكون قادرة على تحملها.
ويصر المسؤولون عن التنظيم الذين تحدثوا من دون أن يذكروا أسماءهم بسبب الطبيعة السرية للمناقشات على أن التدابير التي أعلن عنها في شهر تموز (يوليو) ليست فقط تحسناً كبيراً عن اللوائح الحالية، لكنها أيضاً أكثر قابلية للتطبيق من المسودة الأولى التي تم إعدادها في شهر كانون الأول (ديسمبر). ويعتبر احد المشاركين إعلان شهر تموز (يوليو) بأنه ''حزمة جيدة تم التوصل إليها بصعوبة''، في حين يصر آخرون على أن:''الناس لم تدرك كم كانت الإصلاحات أساسية''.
ويوافق المصرفيون على هذا الرأي. إذ يقول جون فارلي، الرئيس التنفيذي لبنك باركليز الذي يتخذ من المملكة المتحدة مقراً له:'' لقد رأيت التغييرات الأخيرة التي أدخلت على مقترحات بازل 3 والتي توصف بأنها نوع من النصر للبنوك. إنني لا أعتقد أنها كذلك أبداً.''
تبدأ القصة قبل أكثر من عام عندما اجتمعت نصف دزينة من اللجان من الجهات التنظيمية الدولية في مدينة بازل لكي تضع المقترحات الرامية لتنظيم رأس المال، والسيولة، والمديونية، ولكي تنظر في عدة أنواع من رأس المالي الإضافي لجعل النظام أقل تأثراً بالدورات الاقتصادية.
في العادة يستغرق إعداد لوائح مصرفية عالمية سنوات، لكن المسؤولين عن التنظيم تعرضوا هذه المرة لضغوط، لذلك أعلنوا عن مسودة في شهر كانون الأول (ديسمبر). وهم يقولون إن هناك حاجة لإدخال تغييرات جديدة – لأن لجنة بازل، خلافا للكثير من الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة - كثيراً ما تدخل تغييرات كبيرة على المسودات الأولى استجابة للملاحظات التي تصدر عن دول العالم. ويقول أحد المشاركين في الاستطلاع :'' لم يتم اختبار أي من هذه المواد، فقد أدخلت في المقترحات الخيارات التي اعتبرت أكثر صرامة في حينه.''
أحدثت صرامة الحزمة التي تم التوصل إليها صدمة في السوق. إذ يقول جين لودفيغ، وهو مسؤول تنظيمي أمريكي سابق يرأس مجموعة برومونتوري المالية، وهي مجموعة استشارية أمريكية: ''كانت التغييرات في تعريفات رأسمال الطبقة الأولى التي كانوا يقترحونها مخيفة بالنسبة لبلدان كثيرة. لأنك إذا رفعت رأس المال المطلوب، فإنك تقيد قدرة العالم الحقيقية على الإقراض.''
وحسب محللو الشأن المصرفي في بنك نومورا أن أكبر 16 بنكاً أوروبيا سوف تخسر ما مجموعه 300 مليار يورو (ما يعادل 386 مليار دولار، 248 مليار جنيه إسترليني) من رأسمال الطبقة الأولى، ما يخفض نسبة رأس المال ذلك إلى أصولها المعرضة للخطر من 9 في المائة إلى 5.3 في المائة. وأجرت وحدة أسواق رأسمال الدين في بنك باركليز عملية حسابية مختلفة اختلافاً طفيفاً للبنوك الأمريكية، مفترضة أنه سيتعين عليها أن تحتفظ بنسبة 8 في المائة من رأسمال الطبقة الأولى. وفي تلك الحالة، فإن الشركات الأمريكية الكبرى القابضة للبنوك سيكون لديها نقص بمبلغ 225 مليار دولار (175 مليار يورو، 145 مليار جنيه استرليني) في رأس المال، مع تركز 90 في المائة من هذا العجز في ستة بنوك فقط.
ولاحظ المحللون أيضاً أن أحد المقترحات المتعلقة بالسيولة، والمصممة لمنع البنوك من الاعتماد على التمويل قصير الأجل، من شأنه أن يحدث تغييراً كبيراً في نماذج العمل. وقدر بنك كريديت سويس وبنك باركليز أنه سوف يتعين على البنوك الأمريكية والأوروبية أن تجمع مبلغاً إجمالياً يقارب ثلاثة آلاف مليار دولار على شكل تمويل طويل المدى.
وبعد أن بدأت الجهات التنظيمية الرئيسة والبنوك المركزية الكبرى بالتركيز على التفاصيل، مع أنها وجدت أن كل مقترح له محاسنه بصورة فردية، أصبحت قلقة بشأن الأثر الكلي. ويقول أحدهم: ''لم يتوجب علينا الانتظار لنسمع من الصناعة. فقد كنا نعرف أن ذلك لن ينجح.''
ويقول شخص آخر مسؤول عن التنظيم إن القاعدة الخاصة بالسيولة والتي تعرف أيضاً بنسبة التمويل المستقر الصافية كانت ''سيئة التقدير'' مضيفاً:'' لا يوجد تمويل مستقر كاف في العالم لتلبية هذه المتطلبات.''
وعندما صعدت البنوك من ضغطها اعتباراً من شهر شباط (فبراير)، ظهرت أسئلة جديدة عن التعريفات المتشددة لرأسمال. فما زال المنظمون يريديون أن تحتفظ البنوك بمزيد من الأسهم والأموال النقدية لكنهم بدأوا يدركون أن مقترحات شهر كانون الأول (ديسمبر) كانت لها عواقب غير متوقعة.
إن خطة تهدف إلى توقف البنوك عن أن تعتبر حقوق شركاء الأقلية في شركاتها التابعة في الخارج كرأسمال الطبقة الأولى وقفت عائقاً أمام الطريقة التي كانت تعمل بها الأسواق الناشئة كالهند والصين مع البنوك الغربية.
وهناك قاعدة أخرى تدعو للتخلص من الأصول الضريبية المؤجلة – وهي الائتمانات الضريبية المتوقعة في الأعوام المقبلة- كان من شأنها أن تثني البنوك اليابانية والإيطالية عن تجنيب الأموال تحسباً للخسائر المستقبلية، وهو عكس ما كانت الجهات التنظيمية تحاول تحقيقه تماماً. وهناك اقتراح ثالث – يحظر على البنوك تقاضي رسوم على معالجة قروض الرهن – رغم أن تجربة الجهات التنظيمية الأمريكية تفيد أن ما يدعى بحقوق خدمة قروض الرهن كانت قابلة للبيع في الأزمة- كان من شأنه أن يوجه ضربة قوية للبنوك الأمريكية بشكل خاص.
وفي شهري نيسان (ابريل) وأيار (مايو)، عندما قام الباحثون في لجنة بازل بجمع بياناتهم حول الأثر الفعلي المحتمل، وهو ما يعرف بدراسة الأثر الكمي، واجهوا مزيداً من الصدمات. فقد وجدت الدراسة أنه في ظل أشد نسخ نسبة الدين صرامة – التي كانت سوف تشمل المجموع الكلي لمراكز المشتقات رغم أن بعضها رهانات في اتجاهات مغايرة – أن بنوك التجزئة والبنوك الاستثمارية سوف تكون متباعدة عن بعضها لدرجة أنه لم تكن هناك من الناحية الفعلية طريقة لوضع قاعدة عالمية. وبعد أن أخذت في الاعتبار التعريفات المتشددة لرأس المال وتقويم الخطر العالي الذي تشكله سجلات التداول بالملكية، فإن نسبة رأسمال الطبقة الأولى سوف تنخفض بالنسبة لبعض البنوك بنسبة 50 في المائة.
وبصورة علنية، حافظ نوت ويلينك، رئيس لجنة بازل، على الموقف الراهن. فقد أصر على أن تشديد لوائح رأس المال يجعل الاقتصاد العالمي أكثر مرونة ولا يعيق النمو. ولكن في مجالسه الخاصة كان يعتبر أن هناك حاجة واضحة إلى حل وسط. ويقول أحد المنظمين: ''لا استطيع القول إننا كنا خائفين، لكننا أدركنا أنه ينبغي أن نتحلى بالمسؤولية ازاء هذا الأمر.''
وفي الوقت الذي عقد فيه اجتماع تورونتو، كانت الفوضى تعم كثيراً من الأمور لدرجة أن المنظمين والمصرفيين كانوا يجدون صعوبة كبيرة في تحديد التغييرات المشروعة من تلك المبنية على المصالح الخاصة. وقد برز المفاوضون الألمان الذين سعوا في الوقت نفسه إلى مناقشة حجم رأس المال الذي سوف تكون البنوك مطالبة بالاحتفاظ به كحجر عثرة. ويتفق عدة مفاوضين على أن نقطة الحضيض كانت عندما اقترح أحد المنظمين الذين نفد صبرهم ارجاع اسم الشهرة إلى وضعه السابق رغم ثبوت عدم جدواها في الأزمة المالية.
وفي الأسابيع التي تلت انذار الحريق، حاول المنظمون مرة أخرى. وقد مورس الضغط السياسي. فدعت مجموعة العشرين إلى عقد مؤتمر لتكرر طلبها بضرورة قيام لجنة بازل بوضع حزمة في الوقت المناسب من أجل المؤتمر الذي سوف يعقد في شهر تشرين الثاني (نوفمبر). وقد تم إرجاء موضوع نسبة التمويل المستقر الصافية. وتم تخفيف نسبة المديونية وتم تأجيل موعد سريان هذين المسألتين لمدة عقد تقريباً.
إن بعض المنظمين يشجبون التأثير السياسي في مجالسهم الخاصة، قائلين إنه أجبرهم على التخلي عن المواقف التي كانت '' صحيحة من الناحية الأخلاقية''. لكن هناك منظمون آخرون يرحبون بهذا الضغط لأنه حال دون سير هذه العملية بشكل بطيء لأعوام، كما حدث مع مفاوضات بازل 2.
وظلت الجهود الرامية لتشديد تعريفات رأس المال معلقة حتى النهاية، حيث حاول المنظمون والمراقبون تحقيق التوازن الدقيق بين إزالة الخردة التي تسللت إلى رأس المال الأساسي من الطبقة الأولى دون شل النظام المصرفي لأي دولة.
وحدث التطور في الاجتماع الأخير حين اقترح أحد الاقتصادات الناشئة- رفض المنظمون الكشف عنه- تحديد سقف للاستخدام المشترك للأصول الضريبية المؤجلة وحقوق الرهن العقاري والاستثمارات في الشركات المالية ذات الصلة عند 15 في المائة من رأس المال الأساسي من الطبقة الأولى. وهذا يعني أن كل دولة تمكنت من إدراج بعض مصالحها الخاصة، ولكن عموماً، رسمت اللجنة خطاً. وكانت التسوية كافية لكسب أصوات جميع المراكز المصرفية الرئيسة باستثناء ألمانيا، التي أعلنت أنها ستنتظر المعايرة قبل اتخاذ قرار بالموافقة.
وبموجب القواعد الجديدة، تشير حسابات بنك نومورا أن البنوك الأوروبية سوف تخسر ما مجموعه 200 مليار يورو من رأس المال- أفضل بنسبة الثلث مما سيكون عليه بموجب اقتراح شهر كانون الأول (ديسمبر)، وتشير حسابات بنك باركليز أن البنوك الأمريكية ستحتاج إلى 115 مليار دولار فقط لتلبية النسبة البالغة 8 في المائة، أي حوالي نصف النسبة المعتزم تحقيقها سابقا. وتم تأجيل الحاجة إلى تمويل مستقر على المدى الطويل وتخفيضه إلى حد كبير، مع وعد بإجراء المزيد من التعديلات.
وكما يقول أحد المنظمين الذي له دور فعال في هذه العملية: ''لا أعتقد أن ما حققناه في النهاية هو هبة كبيرة. بل كان نتيجة أكبر تناسبا''.
ويخلص جون بيس، المحلل المصرفي في بنك نومورا، إلى القول: ''كما نرى الأمر، فقد اختار المنظمون منح الأولوية للانتعاش الاقتصادي بدلا من معاقبة البنوك'
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق