الأربعاء، 25 أغسطس 2010

متاحف وزهرة الخشخاش





كنوز يغطيها التراب
٢٥/ ٨/ ٢٠١٠


متحف محمد محمود خليل.. هنا كانت زهرة الخشخاش
المستندات التى بين أيدينا عمرها ٣ أعوام، جاءت لتكشف أن كارثة سرقة لوحة «زهرة الخشخاش» للفنان العالمى فان جوخ من متحف محمود خليل، السبت الماضى، كان من الممكن تجنبها، وأن جرس الإنذار دق أكثر من مرة فى أروقة قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، محذراً من تعطل كاميرات وأجهزة تأمين المتحف المنهوب.
محسن شعلان، وكيل أول وزارة الثقافة، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، المحبوس الآن على ذمة التحقيق، طالب طوال السنوات الثلاث السابقة بتوفير اعتمادات مالية كافية لتأمين المتاحف وحماية مبانيها ومعروضاتها وبينها ١٦ مليون لمتحف محمد محمود خليل، وصلت الطلبات إلى مكتب وزير الثقافة، واتخذت طريقها البيروقراطى المعتاد بين مكاتب المسؤولين، وحملت العشرات من توقيعاتهم وتأشيراتهم، لكن الأموال التى كانت ضرورية لحماية كنوزنا الفنية لم تصل فى موازنة ٢٠٠٨-٢٠٠٩ أو ٢٠٠٩-٢٠١٠ ولا حتى فى ٢٠١٠-٢٠١١.
ورغم أن الكارثة كانت متوقعة، والتهديدات كانت مطروحة فى الخطابات الرسمية دون مواربة، فإن شيئاً لم يحدث لوقفها، وعلم كل هذه الجهات الرسمية باحتمالات الخطر لم يوقف اللص قبل دخول المتحف، أو يمنعه من استخدام مشرط فى انتزاع اللوحة التى لا تقدر بمال، كاشفاً عن واقعة جديدة تضاعف التساؤلات عن مدى كفاءة الجهاز الإدارى فى مصر، وجدوى استمرار الآليات الحالية فى تسيير دولاب العمل الحكومى






مستندات رسمية تكشف: محسن شعلان طالب باعتمادات مالية لحماية المتاحف منذ عامين.. دون جدوى

  كتب   وفاء بكرى    ٢٥/ ٨/ ٢٠١٠

شعلان يوضح تفاصيل تكلفة ترميم وتطوير متحف محمود خليل
المستندات التى بين أيدينا عمرها ٣ أعوام، جاءت لتكشف أن كارثة سرقة لوحة «زهرة الخشخاش» للفنان العالمى فان جوخ من متحف محمود خليل، السبت الماضى، كان من الممكن تجنبها، وأن جرس الإنذار دق أكثر من مرة فى أروقة قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، محذراً من تعطل كاميرات وأجهزة تأمين المتحف المنهوب.
محسن شعلان، وكيل أول وزارة الثقافة، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، المحبوس الآن على ذمة التحقيق، طالب طوال السنوات الثلاث السابقة بتوفير اعتمادات مالية كافية لتأمين المتاحف وحماية مبانيها ومعروضاتها وبينها ١٦ مليون لمتحف محمد محمود خليل، وصلت الطلبات إلى مكتب وزير الثقافة، واتخذت طريقها البيروقراطى المعتاد بين مكاتب المسؤولين، وحملت العشرات من توقيعاتهم وتأشيراتهم، لكن الأموال التى كانت ضرورية لحماية كنوزنا الفنية لم تصل فى موازنة ٢٠٠٨-٢٠٠٩ أو ٢٠٠٩-٢٠١٠ ولا حتى فى ٢٠١٠-٢٠١١.
ورغم أن الكارثة كانت متوقعة، والتهديدات كانت مطروحة فى الخطابات الرسمية دون مواربة، فإن شيئاً لم يحدث لوقفها، وعلم كل هذه الجهات الرسمية باحتمالات الخطر لم يوقف اللص قبل دخول المتحف، أو يمنعه من استخدام مشرط فى انتزاع اللوحة التى لا تقدر بمال، كاشفاً عن واقعة جديدة تضاعف التساؤلات عن مدى كفاءة الجهاز الإدارى فى مصر، وجدوى استمرار الآليات الحالية فى تسيير دولاب العمل الحكومى.
حصلت «المصرى اليوم» على مستندات ومكاتبات رسمية بين مكتب محسن شعلان، رئيس قطاع الفنون التشكيلية - المحبوس حالياً على ذمة قضية سرقة لوحة زهرة الخشاش من متحف محمود خليل-، وفاروق عبدالسلام، مشرف مكتب وزير الثقافة، تكشف مطالبة شعلان بتوفير مبالغ لأعمال الصيانة الدورية وتأمين المواقع والمتاحف التابعة للقطاع، منذ عام ٢٠٠٨ وحتى العام الجارى، دون الاستجابة لمطالبه.
ويحمل المستند الأول تاريخ ١٦ أبريل ٢٠٠٨، وقال فيه شعلان للمشرف على مكتب الوزير إن التقديرات المقترحة لموازنة عام ٢٠٠٨ – ٢٠٠٩ لا تكفى لتنفيذ بعض الخطط الخاصة بالقطاع مما يهدد بانهيار أنظمة المراقبة والإنذار والتكييف وإهدار الثروة العقارية لمبانى المتاحف، وتضمنت مطالب شعلان فى الخطاب خطة تدريب على الأمن الصناعى والدفاع المدنى والحريق، ودورات فى الحاسب الآلى واللغات الأجنبية لرفع كفاءة أمناء المتاحف، مشيرا إلى أن تقديرات الموازنة لهذه البنود بلغت ١٣ ألف جنيه، والمطلوب ٤٠ ألفاً، بفارق ٢٧ ألف جنيه.
وجاء البند الأهم فى الباب السادس من الخطاب، الخاص بالمشروعات، حيث أشار شعلان إلى أنه تم توفير ٨٥ مليون جنيه، بينما المبلغ المقترح ١٣٤ مليون جنيه، بفارق ٧١ مليوناً و٦٠٠ ألف جنيه، حيث قال شعلان فى خطابه نصا: «مما سبق يتضح أن المبلغ المقترح لمشروع الموازنة للعام المالى ٢٠٠٨ – ٢٠٠٩، للقطاع لا يتناسب وحجم أعمال وتطوير وتحديث المشروعات التى بدأ العمل بها بالفعل، حيث إن عدم توافر الاعتمادات المطلوبة، أدى إلى توقف هذه المشروعات الضخمة وإضافة مدة التأخير إلى مدة تنفيذ العملية، فضلا عن مطالبة الشركات بفوائد التأخير عن هذه المدة طبقا للعقود المبرمة بين القطاع وشركات المقاولات، وعلى سبيل المثال متحف سراى الجزيرة».
وأضاف شعلان: «هذا سيؤدى إلى عدم إدراج متحف قيادة الثورة بالخطة الاستثمارية الجديدة، وسيتسبب فى عدم استكمال الأعمال والناتج عنه أضرار شديدة للمنشآت المتواجدة بالأساسات، الأمر الذى يستلزم ضرورة إدراج مشروع المتحف لدرء الخطر عنه، وإلا سيؤدى ذلك إلى إهدار الثروة العقارية فى مبانى المتاحف والمبانى الإدارية بشكل عام، فضلا عن تهديد أنظمة التكييف والإنذار والمراقبة، بالانهيار فى حال احتياج أى منها لأعمال عمرات جسيمة لا يتم تنفيذها»، مطالباً بضرورة توفير الاعتمادات المطلوبة لتحديث الأنظمة الأمنية وتوفير طفايات الحريق والبوابات الإلكترونية للمشروعات لتفادى حدوث أى مكروه لهذه المتاحف.
وفى مخاطبة رسمية أخرى، فى ٨ أكتوبر ٢٠٠٨، رداً على خطاب من مكتب وزير الثقافة فى ٧ سبتمبر ٢٠٠٨ إثر سؤال مقدم من كمال أحمد، عضو مجلس الشعب، طالب شعلان بتوفير نحو ٤٠ مليون جنيه، لإعادة تجهيز وشراء احتياجات ضرورية للقطاع، حفاظاً على المتاحف الفنية والقومية، وذلك بعد مراجعة المواقع للوقوف على الأنظمة الأمنية وتنفيذاً لاشتراطات الحماية المدنية للمبانى والمواقع التابعة لها، وتأمينها ضد الأخطار المختلفة، خاصة الحريق، وتم اكتشاف أن بعضها يحتاج إلى تغيير شامل لأنظمتها، فضلا عن ضرورة وجود أفراد أمن مدربين على أعمال الدفاع المدنى والحريق.
وبناء على مخاطبة شعلان، خاطب فاروق حسنى، وزير الثقافة، وزير التنمية الاقتصادية لتعزيز الخطة الاستثمارية للقطاع فى العام المالى ٢٠٠٨ – ٢٠٠٩، لتأمين المتاحف، فإن شعلان عاد وأكد فى خطاب آخر لفاروق عبدالسلام فى ٨ فبراير ٢٠٠٨ أنه تم تخصيص ٥٠٠ ألف جنيه فقط، من المبلغ المطلوب وهو ٤٠ مليون جنيه، لشراء الأجهزة الأمنية المطلوبة، وتم إرجاء جميع الاحتياجات الأمنية الأخرى للعام المالى ٢٠٠٩ – ٢٠١٠، فى حال توافر الاعتمادات المالية اللازمة.
وتكررت أحداث ميزانية ٢٠٠٨ – ٢٠٠٩، مع قطاع الفنون التشكيلية مرة أخرى، فى موزانة ٢٠١٠ – ٢٠١١، حيث رد شعلان على خطاب المشرف على مكتب الوزير فاروق عبدالسلام، والخاص بمشروع موازنة القطاع، للعام المالى ٢٠١٠ – ٢٠١١، أبدى خلاله بعض الملاحظات حول الاعتمادات المدرجة بالخطة الاستثمارية للعام، والتى قدرت بمبلغ ٣٨ مليون جنيه، فى الوقت الذى يحتاج فيه القطاع ١٦٣ مليوناً و٣٥ ألف جنيه لتغطية جميع احتياجاته، وتطوير مشروعاته، وأعاد شعلان الجُمل نفسها التى كتبها فى مخاطباته السابقة من حيث إن المبلغ لا يتناسب وحجم أعمال تطوير وتحديث المشروعات التى بدأ العمل بها بالفعل، وأن عدم توفير الاعتمادات المطلوبة سيؤدى إلى توقف هذه المشروعات الضخمة.
كما طالب بضورة توفير المبلغ المتفق عليه فى الميزانية السابقة، وهو ٤٠ مليون جنيه، بناء على توصيات اللجان النوعية بمجلس الشعب، لتحقيق أكبر قدر من كفاءة الأجهزة الأمنية وتأمين بعض المواقع التابعة للقطاع.
وأكدت ألفت الجندى، رئيس الإدارة المركزية للشؤون المالية والإدارية بالقطاع، فى مخاطبة رسمية لمدير عام التخطيط والمتابعة بالوزارة فى ٣ فبراير الماضى، أن الموازنة الجديدة لن تتناسب مع جميع أعمال القطاع، وقالت فى خطابها: «يجب توفير الاعتمادات المطلوبة لتحديث الأنظمة الأمنية وتوفير طفايات الحريق، والبوابات الإلكترونية للمشروعات لتفادى حدوث أى مكروه لهذه المتاحف».
أما متحف محمد محمود خليل، الذى شهد واقعة السرقة فكشفت المستندات التى حصلت عليها «المصرى اليوم» أن المخاطبات لتطويره وتأمينه التى استمرت لمدة سنتين بين القطاع والوزارة، توقفت بعدها دون معرفة الأسباب، وتوقف التطوير على الرغم من إبرام تعاقد بين الوزارة، ممثلة فى صندوق التنمية الثقافية، ومكتب الدكتور على رأفت، لتطوير وصيانة ورفع كفاءة المتحف.
وبدأت الشكاوى فى ٧ أغسطس ٢٠٠٧، من المقدم علاء غانم، رئيس قسم المتاحف الفنية والأثرية بالإدارة العامة لشرطة السياحة والآثار، مخاطباً شعلان، بأنه أثناء مرور العقيد خيرت شربين، على متحف محمد محمود خليل، لاحظ تعطل نظام الإنذار ضد السرقة المثبت على اللوحات، فضلا عن تعطل نظام الإنذار ضد الحريق، ونظام الإنذار ضد السرقة فى متحف الخزف الإسلامى بالزمالك.
وطالب غانم باتخاذ اللازم نحو سرعة إصلاح تلك الأجهزة وتلافى الملحوظات تحت إشراف شعلان المباشر، نظرا لحساسية تلك المتاحف وأهميتها، ولذلك ليتسنى الرد على الإدارة العامة وإدارة البحث الجنائى.
وذُيلت مخاطبة غانم بتأشيرات خاصة للدكتور صلاح المليجى، رئيس الإدارة المركزية للخدمات الفنية للمتاحف والمعارض، وألفت الجندى، رئيس الإدارة المركزية للشؤون المالية والإدارية، قال شعلان فيها: «الأمر أكثر من خطير ويتم العمل الفورى على إصلاح الأجهزة المشار إليها، وكان من الواجب إبلاغنا بأى من هذه الأعطال وسوف تتم محاسبة مديرى المواقع لعدم قيامهم بالتنسيق اللازم مع إدارات الأمن والإدارة الهندسية والشؤون المالية، للعمل على إصلاح ما يتلف من أجهزة إنذار، وسيتم إعداد تقرير للعرض خلال ٤٨ ساعة».
وردت ألفت الجندى على شعلان فى خطاب رسمى بينهما بدأته بـ«إيماء إلى تأشيرة سيادتكم وكتاب المقدم رئيس قسم المتاحف الفنية والأثرية بالإدارة العامة لشرطة السياحة والآثار بشأن الملاحظات الأمنية على أجهزة الحريق والإنذار بكل من متحف محمد محمود خليل وحرمه، ومتحف الخزف الإسلامى بالزمالك.. نتشرف بأن نعرض على سيادتكم الآتى:
تم تكليف مهندسى الأنظمة الأمنية بالإدارة العامة للشؤون الإدارية بمعاينة هذه المواقع، وعليه تم عمل مقايسة تقريبية للمطلوب بالنسبة لمتحف محمود خليل وجار استكمال الإجراءات بالإدارة العامة للشؤون المالية.
بالنسبة لمتحف الخزف الإسلامى بالزمالك، تبين عمل جهاز الإنذار ضد الحريق بصورة جيدة ولا توجد به أى مشاكل فنية.
جهاز الإنذار ضد السرقة يحتاج إلى إعادة برمجة اللوحة الرئيسية الخاصة بالنظام وجار الاستعانة بشركة «برايت ستار» المتخصصة فى هذا المجال لإعادة برمجة اللوحة وتشغيل النظام ككل.
وأكدت ألفت بعد ذلك لرئيس الإدارة المركزية للخدمات الفنية للمتاحف والمعارض، أن مهندسى الإدارة العامة للشؤون الإدارية قاموا بعمل اللازم لتلافى هذه الملاحظات.
وبدأ قطاع الفنون التشكيلية بعد ذلك فى خطوات صيانة وترميم متحف محمود خليل وقصر عائشة فهمى بمجمع الفنون بالزمالك، بمخاطبات رسمية بينه وبين مكتب الوزير، حيث طلب شعلان استصدار قرار بتكليف شركة المقاولون العرب بالأمر المباشر من قبل مجلس الوزراء للبدء فى أعمال الترميم والتطوير للمتحفين.
كما حصلت «المصرى اليوم» على نسخة من عقد الأعمال الاستشارية الخاصة بتطوير وصيانة ورفع كفاءة متحف محمد محمود خليل بالجيزة، والمبرم بتاريخ ١٧ سبتمبر ٢٠٠٨ بين صندوق التنمية الثقافية التابع لوزارة الثقافة، ومكتب إنتر كونسلت (د. على رأفت)، والذى يعهد فيه الطرف الأول إلى الطرف الثانى بوضع التصميمات وتحضير الرسومات التنفيذية وكراسة الشروط والمواصفات الفنية وقوائم الكميات لتنفيذ الأعمال وكراسة القيمة التقديرية لمشروع تطوير مبنى متحف محمد محمود خليل بالجيزة والإشراف الدائم على المشروع.
وتضمن البند الثالث من العقد التزام الطرف الثانى (المكتب) بمعاينة مبنى المتحف المطلوب تطويره وصيانته ورفع كفاءته ومراجعة جميع العوامل المؤثرة على الأعمال المطلوبة مع مراجعة الرسومات المبدئية للرفع المعمارى المرفق بكراسة الشروط المرجعية وتشمل أعمال التطوير والصيانة ورفع الكفاءة لتحقيق البرنامج المعمارى المطلوب والوارد تفصيلاً بكراسة الشروط المرجعية، على أن تشمل اعمال التطوير والصيانة ورفع كفاءة المتحف من خلال استخدام أحدث التقنيات.
ويحدد العقد نطاق الأعمال المطلوبة من المكتب الاستشارى فى: مراجعة رسومات الوضع الحالى، وتحديد الكفاءة الإنشائية للمبنى: وفيها يتم تحديد حالة سلامة اتزان العناصر الإنشائية المختلفة لمبنى المتحف مع تقديم تقرير فنى دقيق عنها وتقديم اقتراحات التدعيم إن وجدت، وإعداد تقرير فنى عن حالة جميع الأجهزة والأنظمة بالمبنى والتوصيات الفنية بشأن ضمان تشغيل جميع الأجهزة والمعدات والأنظمة بالمبنى بحالة جيدة والتحديث المطلوب والمواصفات والكميات اللازمة للتنفيذ.
كما يتضمن إعداد الرسومات اللازمة لتطوير وصيانة ورفع كفاءة المبنى والتى تشمل الأعمال التالية: الرسومات الابتدائية التى توضح الفكرة المعمارية لتطوير وصيانة ورفع كفاءة المتحف والحديقة وتشتمل على مساقط أفقية ومناظير داخلية وخارجية وفقا لمتطلبات الجهة المالكة، والتى تحقق أعلى كفاءة لاستخدام عناصر المبنى المختلفة.
وينص البند التاسع من العقد على أن «يكون الطرف الثانى مسؤولا مسؤولية كاملة عن سلامة جميع الأعمال حسب ما قام به من تصميمات معمارية وإنشائية وفنية وغير ذلك من باقى الأعمال موضوع هذا العقد طبقا للقوانين واللوائح المنظمة لذلك كما يكون مسؤولا عن اتباع ما تقضى به القوانين واللوائح المعمول بها فيما يختص بالأعمال موضوع هذا العقد





«زهرة الخشخاش» .. «قمة جبل» الإهمال فى متاحف القاهرة

  كتب   أميرة عبدالرحمن    ٢٥/ ٨/ ٢٠١٠
فاحت فضيحة «أزهار الخشخاش»، معبأة بتبعات الفشل الإدارى الموغل فى متاحف كبيرة لم تطلها بعد أنامل «التطوير» و«النهضة الشاملة» التى امتدت نسبيا لتصل إلى بعض متاحف الأقصر والإسكندرية.
فى قلب القاهرة، تقبع ملايين القطع الأثرية والمقتنيات النادرة، متناثرة بإهمال، بانتظار يد التحديث لإعادة تنسيقها وتسويقها وعرضها فنيا، بما يليق بقيمتها التاريخية. والعينة التى يتناولها هذا الملف تقع جميعها فى قلب العاصمة، ويرتادها السياح باعتبارها الواجهة الأولى التى مازالوا يتعرفون من خلالها على التراث المصرى. والمعروف أن إدارة المتاحف علم له أصول، لا يبدأ عند اقتناء اللوحات والمنحوتات، ولا ينتهى مع تأمينها ضد الحرائق والسرقات، إنما هو فن الحفاظ على تلك القطع الأثرية وعرضها على أفضل وجه، بأحدث الأساليب العلمية والتربوية، كما أنه فن إمتاع الرواد بما يحقق لهم متعتى التثقيف والسياحة فى آن.
ومن البديهيات المُتحفية التى نفتقر إليها مثلا: كاميرات مراقبة سليمة، وأجهزة تفتيش غير معطلة، ومكتب استعلامات، وخرائط، ووسائل إيضاح متعددة اللغات، ومرشد سياحى للصم والبكم، وكتيبات إرشادية أو جهاز إرشاد صوتى، ودورات مياه ومزلاجات خاصة بالمعاقين، فضلا عن مصاعد لكبار السن، ووسائل تعليمية للأطفال، ومكتبات لبيع الهدايا التذكارية.
صحيح أن التطوير طال بعض المتاحف، لاسيما تلك التابعة لرئاسة الجمهورية أو لوزارة الدفاع، خلافا لتلك التابعة لوزارة الثقافة، لكن تلك الجولة الخاطفة لأكبر المعالم المتحفية للعاصمة كشفت أن الطريق مازال طويلا، ليدرك القائمون على القطاع الثقافى أن المتاحف ليست مجرد مخازن لتكديس الآثار، بل علم وفن وتاريخ، سبقنا إليه الغرب منذ القرن الـ ١٨.





المتحف المصرى.. تاريخ مكدس.. ومقتنيات متناثرة.. والتصوير مسموح للآثار.. ممنوع للقمامة

٢٥/ ٨/ ٢٠١٠

أكوام الخشب ومخلفات الهدم والبناء تتوسط التماثيل الفرعونية فى الدور الأرضى
فى البدء كانت مشاجرة، سائحة ضاقت من جهاز فحص الرواد الذى لم يتوقف عن الصفير، بينما يطالبها موظف الأمن بمعاودة الدخول، معتذراً بما معناه «معلش.. الماكنة بايظة».
السائحة كانت ترتدى قميصا فضفاضا شفافا، وبنطالا قصيرا، ولم يكن لديها المزيد لتخلعه حتى تثبت براءتها من حمل أى مواد متفجرة، فرجته بعصبية سرعة الانتهاء من تلك الإجراءات لتلحق بفوجها، الذى ذاب فى الزحام.
لم يكن الزحام فى المتحف مقصوراً على زواره، فى فترة تمثل موسماً سياحياً للأجانب والمصريين على حد سواء. الصدمة أن الزحام كان بين التماثيل والمقتنيات المردومة بطبقات من الأتربة، أتت على تلك الصورة الجميلة التى عادة ما يحتفظ بها الصغار بذاكرتهم الطفولية للمتحف المصرى.
وبالإضافة إلى غياب مكتب للاستعلامات، لا يوفر المتحف خرائط تسهل للرواد سير الزيارة، باستثناء لوحة بلاستيكية كبيرة معلقة على حائط جانبى، محيت غالبية حروفها. الخريطة الوحيدة المتوافرة بالإنجليزية تباع فى مكتبة الهدايا بسعر سياحى ٤٠ جنيهاً، ومن لا يمانع فى دفع ١٤٠ جنيهاً يشترى أسطوانة مدمجة تحتوى على صور وشروحات لمحتويات المتحف.
لا مكتب استعلامات، ولا خرائط، إذن هل يمكن أن يكون البديل فى ذلك الاختراع العبقرى البسيط المعروف فى جميع متاحف العالم باسم «المرشد الصوتى».. جهاز فى حجم المحمول بسماعة صغيرة، ما أن تضغط على أزراره حتى يأتيك سيل من المعلومات بمختلف اللغات الحية عن المتحف، مع وصف مفصل لمقتنياته، مصحوباً بمؤثرات صوتية، تضعك فى أجواء المكان، وتجعلك تنفصل عن محيطك الخارجى وأنت تجول، مشدوها متوحدا مع ما تشاهده من لوحات ومعروضات.
سألت أحمد قرنى، مسؤول الأمن، الذى لم أجد غيره عند مدخل المتحف، ففوجئت بأن هذا الاختراع «السهل الممتنع» كان موجودا بالفعل قبل ٣ أعوام فى المتحف المصرى، لكن ألغى قبل عام لعدم وجود إقبال عليه من السياح، كما قال أحمد، أو «لسوء استخدام المصريين»، كما تدخل زميله مجيبا: بالتغاضى عن الهدف التثقيفى والاكتفاء بمحاولة الاستمتاع، تصطدم فور دخولك بعمال النظافة فى واجهة المتحف، وتحديدا أمام التمثال الضخم للملك «أمنوفيس ٣» وزوجته «تى» و٣ من بناتهما، الكناسون كانوا يؤدون وظيفتهم بمقشاتهم، بهمة ونشاط انعكسا فى التراب الذى لبد الأجواء، وزاد القطع المتناثرة بعشوائية فى الفتارين الزجاجية الجانبية بالممر ٣٨، غبارا على غبار، ليبدو المتحف فى حالة «عزال» واضحة أمام زواره، رغم أن «المتحف المصرى الكبير»، المزمع انتقال محتويات المتحف الحالى إليه، لا يزال تحت الإنشاء.
مهما كان الحديث عن خطط المجلس الأعلى للآثار لتصميم المتحف الجديد على أحدث طرز، فلا تبرر تلك الوعود بأى حال من الأحوال الوضع المزرى للمتحف الحالى، الذى مازال السياح يزورونه، بعضهم للمرة الأولى.
الإضاءة تعتمد على مصابيح «نيون» رديئة وخافتة. الأسقف مطعمة بزجاج مانع، بعضه مكسور، وبعضه ملطخ بالدهان، وبعضه ينير المتحف على استحياء، النوافذ مفتوحة بعشوائية تسمح للشمس والهواء بالدخول، يخضع الأمر فى ذلك لمدى شعور الموظفين بالحر أو البرد، وليس أدل على ذلك من الغرفة الزرقاء المعروض فيها رأس تمثال «توت عنخ آمون» داخل صندوق زجاجى مزود بنظام «ليزر»، ويمنع عنه التصوير منعا باتا، فى حين تتعرض الغرفة بأكملها لدرجة حرارة الجو الخارجى، أيا كانت.
وقفت «بيتى» البريطانية بإعجاب أمام أحد التماثيل، معبرة عن انبهارها بكل ما يقع عليه نظرها، بينما تحلى زوجها «جون» بنظرة أكثر نقدا، فراح يشكو «لا توجد لافتات، أنا أعتمد على الكتاب الذى جئت به من لندن، وإن وجدت فهى بالإنجليزية فقط، المتحف ينقصه الكثير مثل نظام المرشد الصوتى بدلا من وقوف المرشدين للصياح وسط الزحام، كما ينقصه أماكن لترك الأمانات، فأين نترك حقائبنا وكاميراتنا، إذا كنا ممنوعين من التصوير».
ربما كان الأجانب هم أكثر الملتزمين بمسألة منع التصوير تلك، فالعائلات المصرية تمرح بين التماثيل وتلتقط عشرات الصور، تحت سمع وبصر موظفى المتحف، الذين لم يبدُ أنهم يعبؤون كثيرا بمنعهم، ولو حتى من منطلق الحرص على الأثريات من ضوء «الفلاش».
حرصت على عدم تصوير القلعة الأثرية، لكنى لم أستطع منع نفسى من تصوير المخلفات ونشارة الخشب المكومة بينها، هنا فقط اهتم أحد الموظفين بعدما شك أنى صحفية فنبهنى إلى أن التصوير ممنوع، فى الوقت نفسه مرت بجوارنا موظفة بدا أنها تعمدت إسماعى وهى تقول «يا منير الحاجات دى هتفضل كده؟»، تقصد القمامة، أجابها منير «لأ. هاشيلها حالا». ردت «آه والنبى زاهى جاى بكرة مش عايزين فضايح». جرى ذلك قبل يوم من مؤتمر صحفى عالمى لزاهى حواس، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، كان من المقرر إقامته فى المتحف.
سألت إبراهيم عبدالجواد، مسؤول المتحف، عما إذا كان يرى أن التوقيت مناسب لتنظيف وكنس المتحف بهذه الصورة فى ساعات العمل الرسمية وأثناء استقبال الزوار، فقال «أعلم أن التوقيت غير مناسب، قلنا ذلك مرارا، ولم يستمع إلينا أحد، المفروض أن تكون ساعات العمل ليلا كى لا نزعج زوار المتحف، لكن الأمر ليس بيدنا».
والملاحظات السلبية فى المتحف المصرى بميدان التحرير لا تنتهى، إحدى المعروضات مرفقة بورقة مكتوب عليها شرح بخط اليد، بإمضاء مديرة المتحف، كما أن كبار السن نادرا ما يجدون مقاعد للراحة، وإن وجدت فعادة ما يستخدمها الأجانب للانزواء والقراءة، بينما يتخذها غالبية المصريين والعرب فرصة لالتقاط الصور.
وبقدر ما كانت قاعة المومياوات، القديمة والحديثة، (دفعت ١٠ جنيهات إضافية لدخولهما)، هى الأكثر جذبا، من الممكن إضافة العديد من الأفكار المبتكرة لجعل طريقة عرضها أكثر تثقيفا ومتعة، على سبيل المثال، يمكن توظيف المؤثرات السمعية والبصرية المختلفة لرواية قصة فرعون مصر، الذى مات غرقاً ثم نجا بـ«جسده»، المعروض الآن فى تلك القاعة.
يعزز تلك الفكرة التفاف عشرات السياح العرب والأجانب حول المومياء، مشدوهين بتأمل، حائرين فى حقيقة ما إذا كان فرعون مصر المقصود فى قصة النبى يوسف هو مومياء الملك رمسيس الثانى، أم تلك المومياء المجاورة له للملك «مرنبتاح»، والذى يرجح العلماء كونه فرعون مصر بسبب نسبة الأملاح الزائدة التى صبغت وجهه باللون الأصفر



«صلاح الدين».. قلعة تطاردها لعنة المماليك

٢٥/ ٨/ ٢٠١٠

المتحف الحربى
وكأن أشباح المماليك، الذين قضوا فى مذبحة القلعة، ترفض رفع لعنتها، تلفظ متاحف قلعة صلاح الدين الأيوبى أى تطوير رغم الحديث عن عشرات الخطط والمشاريع. تحولت غالبية مزاراتها، التابعة لهيئة الآثار، إلى بيوت أشباح مهملة، ربما باستثناء المتحف الحربى القومى، التابع لوزارة الدفاع والقوات المسلحة.
تقليديا، كانت أبرز ٣ متاحف جاذبة للزوار فى القلعة هى «الحربى والشرطة وقصر الجوهرة». لكن المقارنة الآن لا تجوز بينها، فالمتحف الحربى هو الوحيد المستحق لاسم «متحف».
ورغم افتقاده الكثير من التقنيات السمعية والبصرية التى يمكن أن تضفى روحا على محتوياته، يمكن لزوار المتحف الحربى الاستفادة من رصده لتاريخ مصر العسكرى على مر العصور، مع الاستمتاع فى الوقت نفسه بتماثيله الضخمة والنصفية، إضافة إلى أسقفه وحوائطه المزخرفة.
أما ذلك المبنى، التابع لهيئة الآثار، المكتوب على واجهته «متحف الشرطة القومى»، فيضم حوالى ٤ غرف مفتوحة على بعضها البعض، تتوسطها ٤ تماثيل متربة، مهلهلة، رثة الثياب. الجدران قذرة ومتآكلة، سقط الطلاء عن معظمها، بينما غادرت لوحات كثيرة أماكنها للمجهول، تاركة فراغا قبيحا لم يكن بنقص الجدران. وباستثناء صورتى «ريا وسكينة»، لا يتفاعل زوار ذلك المبنى المهمل مع أى من المحتويات الأخرى المعروضة بأسلوب لا يتماشى إطلاقا مع اللافتة المعلقة بالخارج، التى تطالبهم بالحفاظ على «سلامة الأثر وجلال الموقع.. وعظمة حضارتنا». خلال الزيارة التى جرت فى منتصف النهار، حاولت الوصول إلى أمين المتحف، الذى كانت غرفته خالية تماما، وعندما التقطت صورة لها، ثارت حفيظة العاملين الذين انبروا فى الدفاع عنه، محاولين باستماتة الحصول على الكاميرا.
لم تكن زيارة «قصر الجوهرة» أقل إحباطا. ورداً على سؤال عن الحالة المزرية للمقتنيات فى الغرفتين الوحيدتين المفتوحتين من المتحف، قاعة الضيافة وغرفة نوم الإمبراطورة «أوجينى»، كان الرد الجاهز من أحد مسؤولى المتحف أيضا أن هناك خطة قريبة لـ«التطوير».
بالنسبة للتسويق السياحى، تكتفى محال الهدايا داخل القلعة التى بناها صلاح الدين وسكنتها أسرة محمد على باشا، ببيع التماثيل الفرعونية والخياميات وأشياء أخرى لا علاقة لها بتاريخ القلعة الأيوبى والحديث، وهو ما يعكس الافتقار الواضح لفن التوظيف السياحى لطبيعة المكان وخصوصيته التاريخية.
فعلى النقيض من الوضع فى مصر تمتلئ العاصمة الفرنسية باريس مثلاً بقطع تذكارية لبرج «إيفل» الأشهر، وتجد فى المحال السياحية المحيطة بقصر «فرساى» النائى نماذج مصغرة لأحذية الملكة مارى أنطوانيت، بينما تبيع محال الهدايا المحيطة بكنيسة القلب المقدس ماكيتات الكنيسة، وصور مريم العذراء. وفى أوروبا أيضاً يتم السماح للشباب بالاسترزاق، وفقا لضوابط وقوانين محددة، حيث يتنكرون فى ثياب مختلفة، تعكس الفترة التاريخية الموائمة للمكان الذى يتواجدون به، فيأخذون مواقعهم على النواصى والطرقات ليهرع إليهم السياح، لالتقاط الصور معهم، مقابل بضعة سنتات، توفر لهم مصدر رزق لا بأس به





المدير السابق لمتحف «محمود خليل» :حذرت الوزير من سرقة اللوحات فطردونى

  كتب   لندن- منير مطاوع    ٢٥/ ٨/ ٢٠١٠

تمثال نصفى لمحمود خليل فى واجهة متحفه
كشف الدكتور سالم صلاح، المدير السابق لمتحف محمد محمود خليل، الذى شهد سرقة لوحة «زهرة الخشخاش» للمرة الثانية، أسراراً وخفايا وراء تكرار سرقة اللوحة.
الدكتور سالم صلاح، فنان تشكيلى، موجود فى لندن هذه الأيام، حيث يعد لمعرض جديد لأعماله تقيمه تكريماً له بلدية مدينة «ريتشموند»، إحدى ضواحى العاصمة البريطانية، تقديراً لجهوده كاستشارى فى التنسيق الحضارى للمدينة، وهو حاصل على الدكتوراه فى الفن التشكيلى من بريطانيا، التى عاش ودرس فيها لمدة ٢٥ سنة، قبل أن يعود إلى القاهرة، ويتسلم منصب مدير متحف محمد محمود خليل وحرمه.
فى هذا اللقاء مع «المصرى اليوم» يكشف كثيراً من الحقائق التى يقول إنها مهدت الطريق لوقوع جريمة سرقة اللوحة الشهيرة التى يرى أنها لا تقدر بثمن، رغم أن التقدير الأخير هو ٥٥ مليون دولار، أى أكثر من ٣٠٠ مليون جنيه مصرى.
■ فى تقديرك.. ما سر تكرار ظاهرة سرقة اللوحات الأثرية فى مصر؟
- المشكلة أن كل ثروات وكنوز مصر التراثية والفنية مهددة بالسرقة والضياع.. والسبب ببساطة هو الإهمال، وانعدام الإحساس بالمسؤولية. مصر يعرفها العالم بفنونها قبل كل شىء، لكن لا أحد يهتم بحماية هذه الثروات.
■ متى توليت مسؤولية المتحف؟
- سنة ١٩٩٩ وكنت أنهيت الدراسة فى بريطانيا ورشحنى الدكتور أحمد نوار، وكيل وزارة الثقافة، رئيس قطاع الفنون التشكيلية والمتاحف، لأتولى إدارة المتحف بعد أن تم تجديده فى بداية التسعينيات بتكلفة بلغت ٢٠ مليون جنيه. وكفنان تشكيلى تحمست للمهمة وتسلمت العمل، وكنت سعيداً بالتطوير الذى حدث للمتحف بعد أن استعادته الوزارة من رئاسة الجمهورية. فالمتحف موجود بجوار منزل الرئيس السادات وتم ضمه للمنزل، ونقلت محتوياته إلى قصر الأمير عمرو إبراهيم فى الجزيرة، وكانت هناك ترتيبات على أعلى مستوى لحماية اللوحات، وجميع الوسائل الحديثة من إنذار لكل حجرة وبوابات إلكترونية ونظم إلكترونية للحفاظ على اللوحات وعرضها بطرق فنية سليمة.. وكانت هناك حجرة مخصصة للوحة «زهرة الخشخاش» للفنان فان جوخ.. وأخرى للوحة «الحياة والموت» للفنان بول جوجان وهما من فنانى المدرسة التأثيرية فى منتصف القرن الـ١٩ وكانا زميلين وصديقين. لقد كنت سعيداً جداً بكل هذا ورحت أدرس تاريخ المتحف وقصة صاحبه الثرى الذى كان من هواة جمع التحف واللوحات والكتب، وقرر إهداء ثروته منها وقصره أيضاً للشعب المصرى، فتحول إلى المتحف الحالى الذى قدرت قيمة محتوياته منذ عشر سنوات بما يساوى ٨ مليارات دولار.
■ ماذا عن أجهزة الإنذار فى المتحف؟
- لا تعمل!.. فعندما تعايشت مع المكان وبعد عام تقريبا من تسلمى العمل، بدأت ألاحظ واكتشفت ذلك، وأكثر من مرة وجدت أن البوابات الإلكترونية لا تعمل.. ولاحظت أن اللوحات تصلها أشعة الشمس بشكل مباشر من خلال بعض النوافذ، وفى ذلك خطورة على ألوان ومكونات اللوحة تعرضها للتلف، واكتشفت أن أجهزة التكييف غير صالحة ولابد من تغييرها. وبدأت أشعر بأن المتحف فى مهب الريح، فقمت بإبلاغ رؤسائى المباشرين بمذكرات رسمية نوهت فيها بالخطر الذى يحيط بالكنوز التى يحتويها المتحف، خاصة أن لوحة «زهرة الخشخاش» كانت قد تعرضت للسرقة من المتحف قبل ذلك، وقبل تسلمى العمل بأكثر من عشرين سنة.
■ من هم رؤساؤك المباشرون وقتها؟
- محسن شعلان (وكيل الوزارة الآن) وكان الرجل الثانى فى قطاع الفنون التشكيلية والمتاحف والدكتور أحمد نوار وكيل الوزارة وقتها ورئيس القطاع.
■ وماذا كانت النتيجة؟
- لم أجد استجابة منهما!.. قالا إنه لا توجد مخصصات مالية كافية لصيانة المتحف وحماية كنوزه. وكان هذا غريباً، إذا كانت الدولة صرفت ٢٠ مليون جنيه لتطوير المتحف، ألا تستطيع توفير مليونى جنيه تضعها كصندوق خاص يصرف من ريعه على صيانة وحماية الثروات الفنية بالمتحف؟! وكررت الشكوى من خطر تعرض اللوحات للسرقة أو الأذى بسبب عطل الأجهزة. وأخذت الأمر بجدية فقد اكتشفت أننى شخصياً فى خطر، وليس المتحف فقط.. فلو حدث أى شىء سأكون أنا كبش الفداء وسيحملوننى المسؤولية.
■ ماذا فعلت لتفادى كل هذا؟
- كنت قد شكلت جمعية لأصدقاء المتحف تقوم بنشاطات ثقافية وندوات، ومن محبى المتحف كان هناك الدكتور إبراهيم فوزى، وزير الصناعة السابق، وهو صديق تعرفت عليه فى لندن عندما كان مستشارنا الثقافى هناك وجمعتنى به صداقة قوية، ولما علم بالأمر والأزمة التى أعانيها أخذنى للقاء الفنان فاروق حسنى، وزير الثقافة، لعرض الأمر، وفعلا استقبلنا الوزير وشرحت له أننى أرسلت أكثر من مذكرة لرؤسائى دون جدوى، وطلبت تقديم استقالتى حتى لا أتحمل المسؤولية، فالمتحف فى مهب الريح.. لكن رفض الوزير استقالتى وناقش معنا كل شىء وأبدى اهتماماً واضحاً، وقرر تشكيل لجنة تحر بشأن ما ورد فى مذكرتى.
■ متى كان ذلك؟
- سنة ٢٠٠١.
■ إذن تم حل المشكلة؟
- لا للأسف.. المشكلة زادت! فاللجنة تشكلت من موظفين كبار ولم أكن عضواً بها، وأخذت بأقوال الموظفين الكبار وكان همهم الوحيد إثبات أن «كل شىء تمام يافندم».. وأصبحت أنا المشاغب. ولم يحدث أى شىء، ظلت الأجهزة «عطلانة» والشمس تضرب اللوحات والبوابات الإلكترونية لا تعمل والتكييف غير صالح للاستعمال واحتياجات المتحف واللوحات. وعلى جانب آخر بدأ رؤسائى فى ملاحقتى وقال لى صديقى الفنان الدكتور أحمد نوار: «أنا الذى رشحتك للمنصب، وتشكونى للوزير؟»، وبدأت عملية مضايقات وتحرشات إدارية ضدى، فقام محسن شعلان بنقلى، بموافقة نوار، إلى متحف آخر ليست به لوحات وكنوز ولا يحتاج لحماية.. هو متحف الدكتور طه حسين. وعندما تسلم محسن شعلان رئاسة القطاع، قرر إلغاء عقدى وطردنى من العمل.
■ ما تعليقك على حادث سرقة «زهرة الخشخاش» الحالى؟
- هذه للأسف نتيجة عدم الاهتمام بالتحذير الذى وجهته للمسؤولين والوزير شخصياً منذ عشر سنين. وطبعاً معروف أن هذه اللوحة بالذات سبق أن سرقت من المتحف سنة ١٩٧٨، وقيل وقتها إن الجريمة تورط فيها ابن أحد الكبار وسهل حصول أحد أمراء الكويت عليها، وأعيدت بعد إحراج الأمير الكويتى وتم التكتيم على الأمر، هذا ما يقال والله أعلم بالحقيقة.
والمعروف أيضاً أن عملية نقل محتويات المتحف بعدما طلب الرئيس السادات ضم القصر لرئاسة الجمهورية، جرت بطريقة عشوائية، لذلك اكتشفوا أنه تم تبديل كل أطقم الصينى والفضيات والثريات والنجف والتحف التى يحويها قصر محمد محمود خليل وحرمه، بأشياء أخرى مزيفة. وبعد التحرى تبين أن موظفاً كبيراً بالمتحف وقتها هو اللص الذى قام بتبديل القطع الأصلية وأجبر على إعادتها.
■ كيف عرفت عن هذه الوقائع التى حدثت قبل تسلمك إدارة المتحف بسنوات طويلة؟
- لأننى كنت مهتماً بالمتحف وقرأت ملفاته وأوراقه وكنت أتعاون مع الكاتب الراحل كامل زهيرى، وهو من أعضاء جمعية أصدقاء المتحف، لتأليف كتاب عن تاريخ محمد محمود خليل ومتحفه. وعرفت فيما بعد أن السرقة الأولى للوحة كان سببها الإهمال فى عرض اللوحات، فقد كان الإطار الحديدى للنافذة مكسوراً، مما سهل للص عملية السرقة. وتمت مساءلة مدير المتحف وقتها لكنه كشف عن مذكرة رسمية تقدم بها للشكوى من أن الإطار الحديدى مكسور ويطلب إصلاحه، ولم يهتم أحد بالأمر.
 وبذلك نجا المدير من التهمة، وحملوا المسؤولية لعسكرى الأمن المسكين، وقدم للمحاكمة، وسأله القاضى: أين كنت عندما سرقت لوحة الفنان فان جوخ؟ فقال العسكرى: من هو فان جوخ؟. وسأل القاضى: لو دفعت ثمن اللوحة، هل تخلى سبيلى؟.. أنا مستعد أدفع ٣ جنيه كل شهر لتسديد ثمن اللوحة. وأطلق القاضى سراح الرجل الذى لا يعرف أن ثمن اللوحة مئات الملايين.. وكل هذا موجود فى ملفات المتحف.
■ سؤال أخير: لم تشر طوال حديثك إلى نظام التأمين على اللوحات ضد السرقة والتلف مع إحدى شركات التأمين العالمية؟
- سيصدم هذا الجواب كل من يقرؤه.. الحقيقة أنه ليس هناك تأمين على كل هذه الثروات واللوحات والكنوز فى المتحف.. ولم يكن هناك تأمين عليها فى أى وقت



قصر عابدين.. «اللى له ضهر» لايضربه الإهمال

٢٥/ ٨/ ٢٠١٠

قاعة الهدايا الخاصة برئاسة الجمهورية
كثيرون مروا بحى عابدين، دون أن يجول بخاطرهم زيارة قصره، الذى شهدت ساحته الأمامية الإرهاصات الأولى للثورة العرابية، عندما رفض الخديو توفيق مطالب الزعيم الوطنى أحمد عرابى، فرد عليه بعبارته التاريخية «لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذى لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم».
المهتمون بالمتاحف، قد تحبطهم الزيارة، خاصة إذا ما كان خيالهم جامحاً، فتصورا أنهم سيسيرون بين أجنحة القصر وغرفه الخديوية، ملقين برؤوسهم للخلف، يملون أعينهم بأسقفه الشاهقة المذهبة، بين التماثيل والتحف والمقتنيات الملكية النادرة، كما فى متحفى «فرساى» الباريسى، أو «نيمفنبيرج» الألمانى فى ميونيخ.
ومع ذلك ففى القصر مفاجآت سارة من نوع آخر، خلافا لوضع المتاحف الأخرى التابعة لوزارة الثقافة، كانت قاعات متاحف قصر عابدين أكثر تنظيما، ومحتوياته- على غير العادة- خالية من الأتربة، بل وموظفوه غاية فى الأدب والمودة، بزيهم الموحد.
حاولت معرفة السر، فلم أجد إجابة شافية، إلا عندما علمت أن قصر عابدين يتبع إدارة رئاسة الجمهورية، وليس وزارة الثقافة، وإن كان المجلس الأعلى للآثار يتولى مسؤولية الإشراف الفنى، ثم تأكدت تلك النظرية بعدها بأيام بمشاهدة متاحف أخرى مثل «الحربى» فى قلعة صلاح الدين، خلافا لباقى متاحف القلعة التابعة لوزارة الثقافة، كقصر الجوهرة ومتحف الشرطة.
يضم قصر عابدين، الذى توالى عليه ملوك أسرة محمد على، بعدما شيده الخديو إسماعيل عام ١٨٧٢، عدة قاعات مثل متاحف الأسلحة والأوسمة والنياشين والهدايا والفضيات والوثائق التاريخية، ولكل من هذه القاعات مرشد يقدم خدمته مجانا، وتحيط مبانى القصر، الذى سمى نسبة إلى «عابدين بك»، أحد القادة العسكريين فى عهد محمد على، مساحات خضراء واسعة مزينة بكشك موسيقى وآخر للشاى.. ينقص تلك المبانى الافتقار إلى وجود مزلاج يسهل زيارات المعاقين، فلا توجد غير السلالم والعتبات المعيقة للربط بين مختلف القاعات.
فى قسم الهدايا والمقتنيات النادرة، التى حصدها الخديو إسماعيل من مزادات أوروبا، تم حفظ المحتويات وعرضها بشكل جيد- مقارنة بالمتاحف الأخرى- كما أنها مزودة بوسائل إيضاح إرشادية، ولكن المؤسف أنه إذا ما قورنت قاعة الهدايا تلك بالقاعات الأحدث الخاصة، على سبيل المثال، بهدايا الرئيس مبارك، أو القاعات التى أضيفت عقب افتتاح القصر كمتحف عام ١٩٩٨، ترجح كفة الأخيرة من حيث التجهيزات والتقنيات وأسلوب العرض، بدءًا من الديكور والإضاءة والتأثيرات الموسيقية والتكييف وإجراءات الأمن والمراقبة ووسائل الجذب المتنوعة، مثل عروض الكمبيوتر للصور النادرة من ألبومات العائلة المالكة.
لا يسمح للزوار مشاهدة «الحرملك» و«السلاملك»، إذ آثرت الرئاسة استخدامهما كقصر ضيافة لاستقبال الملوك والرؤساء، فلا يتم فتحهما إلا بأوامر الرئيس، عوضا عن ذلك، لجأت إدارة المتحف إلى حيلة أخرى، فجهزت قاعة صغيرة أنيقة بشاشة تعرض عليها تقريرا تسجيليا أنتجه التليفزيون المصرى للمخرجة سميحة الغنيمى. مدة التقرير حوالى ٣٠ دقيقة، تجول بناظريك خلالها غرف النوم والحمامات الملكية وأجنحة الملكة الأم والأميرات.
من مظاهر الاهتمام وحسن الإدارة فى متحف عابدين وجود كتيبات إرشادية للمقتنيات فى كل قاعة بـ٣ لغات، عربية وإنجليزية وفرنسية، كما يوجد دفتر للزوار، لكتابة تعليقاتهم، إيجابية وسلبية، إضافة إلى وجود موقع على الإنترنت.
ومن المزايا التى تحسب لمتاحف عابدين أيضا توفير مساحة مناسبة لإيقاف السيارات مجانا، خلافا لمتاحف القلعة مثلا، التى يأنف مسؤولوها من استقبال سيارات المواطنين العاديين فى موقفها الشاسع، الذى لا تدخله إلا الحافلات السياحية، فى حين يضطر المواطنون إلى اجتياز الطريق السريع بأطفالهم للوصول إلى متاحف القلعة




متحف «أم كلثوم».. «عظمة على عظمة يا ست»

٢٥/ ٨/ ٢٠١٠

مجموعة الفساتين التى ارتدتها فى حفلات الخميس
لا. لم ير الحب سكارىً بروعة متحف «نوعى» فى مصر، على الأقل حتى الآن، مثلما رأى فى المانسترلى بروضة المنيل– مع الاعتذار لأم كلثوم.
كسرت كوكب الشرق القاعدة، وحطمت التوقعات بأن يكون متحفها مجرد قاعات تضم مقتنيات متناثرة لها بلا اكتراث أو عناية. ربما يعود ذلك إلى أن إحدى الشركات الإيطالية المتخصصة فى الفن المتحفى هى التى أشرفت على تنسيقه وعرض محتوياته، بحسب مسؤولى المتحف.
بتنسيق فنى جميل وطريقة عرض بديعة، يستقبلك منديل أم كلثوم ونظارتها المرصعة بالألماس عند المدخل، لتدلف إلى متحف يمكن أن تتجول فيه ساعات، رغم صغر مساحته، متنقلا بين الواجهات الزجاجية التى تعرض عود الست ودبوسها الهلالى الشهير، وفساتينها وأحذيتها وحقائبها وقفازاتها ومفكراتها اليومية، فضلا عن خطابات شكر لها من الملك فاروق والرئيسين عبدالناصر والسادات على مجهوداتها وتبرعاتها من أجل الحرب. هكذا تتعرف على المواطنة أم كلثوم، فنانة وإنسانة.
وبحنين للزمن الجميل، يطالع كبار السن أول عقد أبرمته كوكب الشرق مع الإذاعة عام ١٩٣٤ مقابل ٢٥ جنيها للحفلة، وأول «ميكروفون» غنت فيه، وجهاز الـ«بيك آب» الخاص بها لتشغيل الأسطوانات. كما يمكنك الاطلاع على تعديلات أجرتها بخط يدها على مسودات أشهر أغانيها من إبداعات الأحمدين، رامى وشوقى، وغيرهما. كل هذه الوثائق النادرة والمرممة بأحدث التقنيات محفوظة، بعناية فائقة، وتحت نظام إضاءة ممتاز، وهواء ذى مواصفات خاصة تقيسها أولاً بأول أجهزة ضبط الرطوبة.
وبعد استعراض المجموعة الرفيعة من القلادات والأوسمة والنياشين التى حصلت عليها أم كلثوم فى حياتها، ومشاهدة مجموعة الصور المجمعة «الكولاج»، تتوحد معها، شابا كنت أم كهلا، داخل قاعة السينما التى تعرض فيلما تسجيليا عن حياتها مدته ٢٥ دقيقة. ترتحل معها من السنبلاوين إلى عابدين إلى باريس، ومن إحياء الأفراح والموالد إلى المحافل الملكية، كل ذلك المشوار مع خلفية موسيقية تبدأ بأنغام «إنت عمرى» وتنتهى بـ«الأطلال».
إلى جانب قاعتى السينما والبانوراما التى تعرض أيضا مجموعة منتقاة من صورها النادرة، هناك المكتبة «السمع-بصرية» التى تحوى مؤلفات كتبت عنها وأرشيفا لكل ما خطته عنها الصحافة المصرية. وخلافاً لباقى المتاحف التى تذرع مسؤولوها لعدم إدخال التقنيات الحديثة بـ«جهل الزوار وعدم وعيهم»، لم يبخل متحف أم كلثوم بتوفير ٥ أجهزة كمبيوتر حديثة مزودة بشاشات تعمل باللمس وتعرض كل المعلومات الممكنة عن كوكب الشرق، من الولادة إلى الممات، فضلاً عن مجموعة نادرة من صورها وملفات موسيقية لأغانيها.
وعن صيانة تلك الأجهزة والتعامل مع عدم وعى البعض بآلية استخدامها، رد أحد مسؤولى المتحف ببساطة «بنتصرف.. أثناء الرحلات المدرسية، نقسم الطلاب على أفواج لدخول القاعة، على أن يكون معهم مرشد يوجههم لطريقة الاستخدام الصحيحة.. الأمر بسيط».
رغم كل ذلك، لا يرضى مسؤول المتحف اللواء محمود محمد سعد عنه، ويؤكد أن القائمين عليه لا يتوقفون عن التخطيط لترميم مقتنياته النادرة، وتحديث وسائله السمعية والبصرية، وربما لهذا الدأب، نجح متحف أم كلثوم ورسب غيره. وربما لهذا الدأب أيضا، يجبرك متحف أم كلثوم على معايشة حالة الوجد التى كان يعيشها عشاق كوكب الشرق كل خميس فى حفلاتها الشهرية، رغم مرور ٣٥ عاما على رحيلها، لتصيح ملء فيك بنشوة «عظمة على عظمة يا ست»







ليست هناك تعليقات: