الاثنين، 13 سبتمبر 2010

عندما يضمر الجنيه ليصبح قرشا



عندما يضمر الجنيه ليصبح قرشا
بقلم: د‏.‏حازم الببلاوي
د‏.‏حازم الببلاوي

كلنا سمعنا حكايات من آبائنا وأجدادنا أن الزمن غير الزمن‏,‏ وأين هي أيام زمان حيث كان زوج الحمام بخمسة قروش والبيضة بمليم والمليم ـ لعلم الأجيال الجديدة ـ هو أحد مكونات القرش‏,‏ فالقرش هو عشرة مليمات‏,‏ وأنا طبعا لم أر هذه الأيام‏,‏ وكنتش ـ مع أبناء جيلي ـ نضحك علي هؤلاء العواجيز‏.‏
ومرت الأيام ـ الأصح السنون والعقود ـ ووجدت نفسي ـ وكذا زوجتي ـ نتحدث كما أباؤنا وأجدادنا‏.‏ فأنا من جيل كان فيه ثمن الجورنال ـ الصحيفة ـ قرش صاغ‏,‏ ورغيف العيش نصف قرش‏(‏ تعريفة‏),‏ وزجاجة الكوكاكولا قرش ونصف ـ ثلاثة تعريفة ـ والبيضتان بثلاثة تعريفة أيضا‏,‏ وما يدفع لنادي السيارات هو قرش صاغ وربما قرشان‏.‏
ولسوء حظي ـ أو ربما لحسنه ـ أمضيت فترات طويلة في الفترة الأخيرة خارج مصر‏,‏ وكنت كلما أعود اليها ـ في الإجازة الصيفية ـ أصاب كل مرة بصدمة ارتفاع الأسعار‏,‏ فما كنت أعتقد أنه يساوي عدة قروش أصبح يباع بالجنيهات‏,‏ إن جنيه اليوم هو مجرد قرش صاغ‏,‏ ويبدو أن وزارة المالية قد أدركت هي الأخري هذه الحقيقة‏,‏ فبدلا من الجنيه الورقي الذي يشارك الفئات المحترمة ـ نسبيا ـ من فئات المائة والمائتي جنيه‏,‏ قررت اصدار الجنيه المعدني‏,‏ كما كان القرش قديما‏.‏
فالجنيه لم يعد ـ حقيقة ـ من فئة النقود المحترمة‏,‏ إنما أصبح مجرد فكة‏,‏ ولم يأت قرار وزير المالية من فراغ‏,‏ فقد سبقه أولاد البلد ـ بمالهم من حس صادق وحكمة عميقة ـ فهم يطلقون منذ فترة اسم البريزة أي العشرة قروش علي ورقة الجنيهات العشر‏,‏ والريال ـ أي العشرين قرشا القديمة ـ علي ورقة العشرين جنيها‏,‏ وقد كان للريال القديم شنة ورنة حتي أن أنور وجدي خصص له‏,‏ في أحد أفلامه أغنية مع فيروز معانا ريال‏.‏ وقد اكتشف الضمير الشعبي أن الجنيه الحالي مدع ومحتال‏,‏ وأنه في حقيقته ليس أكثر من قرش صاغ‏.‏
وقد يبدو في هذا الاستخلاص خفة وتسرع فلا يجوز الانتهاء الي نتائج سريعة عن مستوي الأسعار بمجرد ملاحظات فردية هنا وهناك فلقياس مستوي الأسعار أساليب احصائية مستقرة‏,‏ باختيار سلة السلع المناسبة ومتابعة تطور أسعارها كما يظهر في احصاءات الأرقام القياسية للأسعار‏.‏ ولكن من ناحية أخري‏,‏ فإن هذه السلع المشار اليها هي سلع أساسية يشتريها جميع أو معظم المستهلكين‏,‏ فهي نوع من المعيار أو الأساس للسلع الأخري‏,‏ فإذا كانت اسعارها قد ارتفعت مائة مرة‏,‏ فالأغلب أن هذا هو المعدل العادي لارتفاع الأسعار‏.‏
وقصة ضمور قيمة الجنيه أو ارتفاع الأسعار هي ما يطلق عليه ـ عند الاقتصاديين ـ التضخم‏,‏ وهي قصة الإدارة الاقتصادية المصرية‏,‏ أو بالأحري سوء هذه الإدارة‏,‏ وقد صاحب التضخم أوضاع الاقتصاد المصري خلال الأعوام الثلاثين أو الأربعين الماضية بدرجات متفاوتة‏.‏ ولن ألجأ هنا الي الإحصاءات المنشودة‏,‏ وأكتفي بسرد مراحل ارتفاع الأسعار كما عايشتها خلال نصف القرن المنصرم‏.‏
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما شاهدته من ارتفاع كبير في الأسعار ـ وإن في ظل نظام الأسعار الجبرية للسلع الأساسية والتوزيع بالبطاقات ـ عادت الأسعار للاستقرار بعد الحرب طوال الخمسينيات‏.‏
وعرفت مصر أول موجة لارتفاع الأسعار في بداية الستينيات مع انخفاض محصول القطن في‏1962‏ ثم جاءت الحرب في اليمن ثم قطع المعونة الأمريكية في‏1964,‏ وفي أثر حرب‏1967,‏ ورغم ما ترتب عليها من آثار مدمرة علي الاقتصاد المصري‏(‏ إغلاق القناة‏,‏ فقدان آبار البترول‏,‏ تهجير سكان القناة‏),‏ فقد حرصت الحكومة ـ لتهدئة المشاعر الشعبية ـ علي ضمان استقرار الأسعار وتوفير السلع الاستهلاكية‏,‏ وتوسعت الحكومة آنذاك في استيراد المواد الغذائية من دول الكتلة الشرقية مع طرحها في الأسواق بأسعار معقولة‏.‏ ولذلك لم يترتب علي حرب‏1967‏ ارتفاع ملحوظ في الأسعار‏,‏ وإنما انعكست آثار هذه الحرب علي انخفاض الاستثمارات وتراجع أعمال الصيانة للمنشآت العامة‏.‏ فالحكومة كانت بالغة الحساسية لعدم إثارة الجماهير بارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية‏,‏ وكانت النتيجة استقرارا نسبيا في أسعار هذه السلع مع تدهور في الاستثمار‏.‏
واستمرت الأحوال علي نفس المنوال حتي منتصف السبعينيات‏,‏ حيث تدفقت الأموال‏(‏ العربية‏)‏ وفتح باب الاستيراد مما أدي الي ارتفاع الاسعار وبوجه خاص في أسعار أراضي البناء‏.‏ وفي النصف الثاني من الثمانينيات مع بداية حكومة عاطف صدقي عرفت مصر أوضاعا اقتصادية متردية حيث بلغ العجز في الموازنة ما يقرب من‏20%‏ من الناتج الاجمالي‏,‏ وهو من أعلي المعدلات المعروفة عالميا‏,‏ وجاوز معدل التضخم السنوي‏18%,‏ وارتفع حجم الدين الخارجي ليجاوز‏50‏ مليار دولار‏,‏ وعجزت الحكومة ـ في ذلك الوقت ـ عن تسديد الديون الخارجة‏.‏ وجاءت حرب الخليج الأولي مع غزو العراق للكويت‏.‏
وتدخل مصر ـ وسوريا الي جانب القوات الامريكية وحلفائها‏,‏ مما أدي إلي مكافأة مصر بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي في برنامج للتثبيت النقدي‏,‏ مقابل إلغاء نصف الديون العامة الخارجية‏(‏ أكثر من عشرين مليار دولار‏)‏ كما تنازلت الدول العربية عن ودائعها بمصر‏(‏ حوالي‏7‏ مليارات دولار‏)‏ وأعفت الولايات المتحدة مصر من ديونها العسكرية‏(7‏ مليارات دولار‏),‏ فضلا عما تدفق من معونات ومنح عربية‏(‏ اكثر من‏3‏ مليارات دولار‏).‏ وهكذا بدأ نوع من الازدهار الاقتصادي في بداية التسعينيات في النصف الثاني من فترة عاطف صدقي‏.‏
وفي النصف الثاني من التسعينات جاءت حكومة الجنزوري ومعها إحياء التفكير في المشروعات الكبري ـ في مقدمتها توشكي ـ مع تأخر الحكومة في دفع مستحقات شركات المقاولات‏,‏ ثم توسعت البنوك في إقراض العملاء بقروض بمئات الملايين‏,‏ وبدأت بذور أزمة البنوك والتي انفجرت في وقت لاحق عند تعثر الكثيرين من هؤلاء العملاء‏.‏ ومع حكومة عاطف عبيد توسعت الحكومة في مسيرة الخصخصة‏,‏ وبدأت تظهر طبقة جديدة من الأثرياء الجدد والتوسع في بيع أراضي الدولة لهم ولغيرهم‏,‏ مع قرارات عشوائية في سياسة أسعار الصرف‏,‏ وبدأت تستشري في نفس الوقت فوضي الأجور والمرتبات‏.‏ وهكذا استمر ارتفاع الاسعار ولم يقتصر ذلك علي السلع الاستهلاكية بل تزايدت المضاربات علي الاراضي والعقارات‏,‏ والي حد كبير في أسواق الأوراق المالية كذلك‏.‏ ومع حكومة نظيف تحققت بعض الاصلاحات المالية في مجال الرسوم الجمركية وضرائب الدخل‏,‏ ومع ذلك استمر العجز في الموازنة مع تزايد حجم الدين المحلي‏,‏ واشتعال أسعار الأراضي والعقارات‏,‏ وتقنين فوضي الاجور والمرتبات‏.‏
وكانت نتيجة هذه التراكمات هو استمرار تدهور قيمة الجنيه وقوته الشرائية سنة بعد أخري حتي كاد يعادل القرش صاغ القديم‏.‏ ولذلك طرأت علي ذهني فكرة لماذا لانستبدل الجنيه المصري الغلبان بإصدار جنيه مصري جديد ومحترم‏,‏ يعادل مائة جنيه قديم‏.‏ ألم يفعل ذلك الجنرال ديجول بعد عودته الي السلطة في‏1958,‏ حيث عمد بعد قليل من توليه السلطة الي إصدار فرنك جديد يعادل مائة فرنك قديم‏.‏ ولم تكن المسألة عند ديجول هي استبدال اسم جديد باسم قديم‏,‏ وإنما هي إعلان انتهاء مرحلة التهاون في السياسة الاقتصادية والعمل علي حماية قيمة العملة واستقرار الأسعار‏.‏ لقد عرفت فرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فترة شديدة القسوة أوقعت عملتها في أزمة شديدة‏,‏ فأراد ديجول أن يبدأ عصرا جديدا من المسئولية النقدية بحماية قيمة العملة‏.‏ وبدأ بهذا الإجراء الرمزي‏,‏ إصدار الفرنك الجديد وبالفعل استعادت فرنسا خلال عصر ديجول الثقة في اقتصادها واستمرار تقدم هذا الاقتصاد‏.‏ وكانت المانيا قد فعلت نفس الشيء بعد التضخم العظيم بعد الحرب العالمية الأولي‏,‏ كما استبدلت اسرائيل التشكيل بآخر جديد بعد تدهور قيمته‏.‏ فاستبدال العملة ليس بدعة‏.‏
ولكن مجرد تغيير الاسم لايعني حلا‏,‏ والحل هو في الإجراءات الأخري المكملة‏,‏ وماتغيير اسم العملة إلا رمز علي بدء سياسة أكثر مسئولية وجدية‏.‏ ومشكلة ارتفاع الاسعار هي مشكلة في صلب السياسة الاقتصادية‏.‏ ومع ذلك فإن هناك جانبا آخر لايقل خطورة‏,‏ وهو فوضي سياسات الاجور والمرتبات خاصة في الحكومة ومؤسساتها‏,‏ وهو ما أود التركيز عليه هنا‏.‏ فارتفاع الاسعار محنة لاصحاب الدخول الصغيرة‏.‏ ولذلك فإن الحديث عن الاسعار يجر الي الحديث عن الاجور‏.‏ والأجور في مصر ليست مرتفعة أو منخفضة‏,‏ ولكنها في حالة فوضي عارمة أغلبها منخفض وبعضها بالغ الارتفاع‏.‏ فهناك من يعمل في مؤسسات للدولة المصرية من يحصل علي دخل يجاوز ضعف مايحصل عليه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏
لقد ظهرت هذه الفوضي نتيجة تجاوزنا عن مفهوم المرتب الأساسي‏.‏ فالمرتب لم يعد يمثل دخل العامل أو الموظف‏,‏ وإنما هناك مسميات أخري اسمها بدلات ومكافآت وحوافز ومشاركة في الأرباح‏,‏ بل أن هناك شيء اسمه مظاريف‏.‏ والمشكلة ليست فقط في فقدان المرتب لمعناه‏,‏ وإنما لأن هناك عشوائية كاملة في توزيع هذه المزايا‏.‏ فأنت تجد في نفس الهيئة أو المؤسسة مدير يحصل علي عدة أضعاف ما يحصل عليه مدير زميل لايقل عنه كفاءة‏.‏ وقد صاحب ذلك أمر آخر لايقل خطورة هو عدم الشفافية‏,‏ فلا أحد يعرف تماما ما يأخذه الآخرون‏.‏ وكانت مرتبات الحكومة تتميز بأنها معلنة ومعروفة‏,‏ وهي محددة بالقوانين واللوائح بالنسبة للجميع‏.‏ وقد بدأت سياسة السرية في المرتبات‏,‏ بمقولة أن هذا هو أسلوب القطاع الخاص لدعم الكفاءات وتشجيعها‏.‏ أما في الحكومة فقد أصبحت هذه السرية وسيلة لدعم المحسوبية والشللية‏.‏
ماذا لو أصدرنا الجنيه الجديد بواقع جنيه جديد مقابل مائة جنيه قديم مع العودة لكادر المرتبات القديم في الحكومة ومؤسساتها بنفس الأرقام السابقة‏,‏ وإنما بالجنيهات الجديدة‏,‏ وإلغاء كافة المسميات اكتفاء بالمرتب وحده بلا ملحقات‏.‏ والله أعلم‏.‏

ليست هناك تعليقات: