بعد أن بلغ سعر الخام العربي الخفيف السعودي 46 دولارا للبرميل في مارس
متوسط جديد لأسعار النفط يرجح تحول عجز ميزانية المملكة إلى فائض
محمد البيشي من الرياض
أعاد المتوسط الجديد لأسعار النفط (الخام العربي الخفيف السعودي) في الأسواق العالمية والمقدر بـ46 دولارا للبرميل خلال الشهر الماضي بحسب البيانات الرسمية السعودية، التوقعات بأن تحقق المملكة فائضا ماليا في ميزانيتها للعام 2009 التي قدرت وفق بيانات غير رسمية على سعر 36 دولارا للبرميل وبعجز مقدر يبلغ 65 مليار ريال.
ووفق بيانات صدر ت أمس عن مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما" فإن متوسط سعر الخام العربي الخفيف السعودي بلغ 46.2 دولار للبرميل في آذار (مارس) ارتفاعا من 37.2 دولار في شباط (فبراير) الماضي ومن 36.5 دولار في كانون الأول (ديسمبر)2008.
وبحسب بيانات "ساما " فقد بلغ متوسط سعر الخام العربي الخفيف في عام 2008 كله 95 دولارا للبرميل وفي عام 2007 بلغ 67.60 دولار للبرميل.
وهنا قال لـ "الاقتصادية" الدكتور رجا المرزوقي أستاذ الاقتصاد في معهد الدراسات الدبلوماسية، إن تحقيق النفط مستويات جديدة من الأسعار في متوسط 46 دولارا للبرميل، يعزز من إمكانية أن تتحاشى السعودية كبلد مصدر للنفط أسوأ تداعيات الأزمة العالمية على اقتصادها وهو هبوط أسعار النفط وتحقيقها عجزا في ميزانية العام الجاري.
وأضاف "بات من المتوقع اليوم وفي ظل الدراسات الأخيرة أن يتسمر سعر النفط للعام الجاري بين 50 إلى 55 دولارا للبرميل وهو سعر معقول جدا وملائم للاقتصاد العالمي وللدول المصدرة رغم انخفاضه نسبيا في ظل الظروف الراهنة".
وأوضح أستاذ الاقتصاد في معهد الدراسات الدبلوماسية أن المحرك الأساس لأسعار النفط في المرحلة الراهنة بات الوضع الحقيقي للعرض والطلب على النفط كسلعة، مشيرا في هذا الصدد إلى أن الشهور الأخيرة خلصت أسواق النفط من بعض المضاربات والتخزين الذي عمدت إليه بعض الشركات ما حقق للنفط بعض النشاط.
وتابع "أعتقد أن الصورة الراهنة لأسواق النفط تخدم المملكة كبلد مصدر وتخدم الاقتصاد العالمي الذي يمر بأزمة حادة، والأسعار الجديدة عادلة إلى حد ما".
وقد هبطت أسعار النفط من مستواها القياسي عند 147 دولارا للبرميل في تموز (يوليو) الماضي إلى نحو 48 دولارا أمس الأربعاء بعد أن أثر الركود الاقتصادي العالمي على الطلب على الطاقة.
وخفضت السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف في عقود أيار (مايو) للمصافي العالمية وذلك للمرة الأولى في خمسة أشهر.
وكانت آخر مرة خفضت فيها السعودية سعر الخام العربي الخفيف في كانون الأول (ديسمبر) الماضي قبل اجتماع أوبك في الجزائر الذي اتفقت فيه المنظمة على خفض قياسي في الإنتاج يبلغ 2.2 مليون برميل يوميا للمساعدة في تعزيز الأسعار.
ونقلا عن "رويترز" قال جون سفاكياناكيس كبير الاقتصاديين في البنك السعودي البريطاني (ساب) إن الخام العربي الخفيف يمثل ما بين 50 و60 في المائة من إجمالي صادرات النفط السعودية.
وأضاف أن السعودية وضعت ميزانيتها لعام 2009 على أساس سعر متوسط قدره 37 دولارا لبرميل النفط السعودي و43 دولارا للبرميل من خام غرب تكساس الوسيط.
ومع انخفاض أسعار النفط العالمية تتوقع السعودية عجزا قدره 65 مليار ريال (17.3 مليار دولار) في عام 2009 سيكون الأول من نوعه منذ عام 2002.
ويقول محللون إن السعودية ومنتجين خليجيين آخرين في أوبك لن يسعوا إلى دفع أسعار النفط العالمية نحو الارتفاع عن مستوى 50 دولارا للبرميل على المدى القصير وذلك لمساعدة الاقتصاد العالمي على التعافي.
والسعودية هي العضو الوحيد من أوبك والدولة العربية الوحيدة في مجموعة العشرين لكبرى الاقتصادات العالمية
تكاليف النضج
سوف تبدأ البلدان ذات الأعداد الكبرى من مواليد طفرة المواليد، كالولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، بالشعور بالأعباء التقاعدية، والخاصة بالضمان الاجتماعي، الناجمة عن ذلك، خلال العقد المقبل.
بينما شهدت الولايات المتحدة فترة طويلة من طفرة المواليد بعد الحرب العالمية الثانية، حيث امتدت بين 1946- 1964، فإن المملكة المتحدة بلغت الذروة عام 1947، وتراجعت لفترة قصيرة بعد ذلك، لتبلغ ذروة أخرى في عام 1964. وسوف يحتاج البلدان إلى تمويل التزاماتهما المتصاعدة، زيادة على التكاليف الهائلة بسبب الانكماش، وعمليات إنقاذ البنوك.
نتيجة للأزمة الاقتصادية، شهدت الولايات المتحدة توقعات بأن تتصاعد نسبة ديونها الوطنية من ناتجها المحلي الإجمالي من 66 في المائة إلى 97 في المائة عام 2012، الأمر الذي يزيد الضغوط على وزارة الخزانة لتضغط من أجل الإصلاحات الاجتماعية. وأما بريطانيا، فشهدت زيادة أعلى في توقعات أعباء دينها، وذلك من 43 إلى 75 في المائة. وأما مشكلات إسبانيا، فتعود إلى قلة في المواليد، أكثر مما هي بسبب طفرة فيهم، حيث إن لديها واحداً من أسرع معدلات التدهور السكاني في أوروبا. وإضافة إلى التوقف المفاجئ للطفرة الاقتصادية الإسبانية، فإن ذلك سبب صداعاً لصانعي السياسة في ظل التوقع بأن يصل الدين العام إلى 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، من أصل 30 في المائة في الوقت الراهن.
أما بالنسبة إلى الشباب، فإن على أوروبا أن تتطلع إلى تركيا، حيث يمكنها توقع نسبة كبرى من الشباب. ومع استمرار تقدم سكان أوروبا في العمر، فإن قد تحاول الاستفادة من ذلك باجتذاب الشباب الأتراك لإراحة أسواق العمل التي تعاني قلة في عدد العمال.
تعاني اليابان آثار 30 عاماً متتالياً من تراجع معدلات المواليد. وجعل ذلك، إضافة إلى الزيادة الكبرى في معدل العمر، اليابان أكبر أمة مسنة في العالم. وكانت اليابان مصابة بالفعل بعبء مالي ضخم قبل بداية الأزمة. وساء وضعها منذ ذلك الحين، حيث تفيد التوقعات بأن الدين الوطني سوف يزيد كثيراً على ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012.
مقابل ذلك، نجد أن لدى كوريا الجنوبية الآن ديناً وطنياً متدنياً، وسكاناً شباباً. غير أن زيادة معدل الأعمار، إضافة إلى معدل مواليد متراجع من ستة أطفال للمرأة في عام 1960، إلى 1.6 طفل في عام 2006، يعني أنها سوف تشيخ بمعدل سريع للغاية. وسوف يزيد معدل الاعتمادية (اعتماد غير العاملين على العاملين فيها)، عمّا هو في الولايات المتحدة في حدود عام 2025.
مستقبل الرأسمالية الحلقة 14
زيادة المسنين ونقص الشباب يهددان مستقبل الاقتصادات المتقدمة
كريس كوك، وسايمون برسكو
سوف تكون الديون التي يخلفها الانكماش، وعمليات إنقاذ البنوك ضخمة بالنسبة لعدد كبير من الدول وتأتي الخسائر تماماً بينما يتجه مواليد طفرة المواليد لما بعد الحرب العالمية الثانية في الدول النامية إلى التقاعد. ويعني ذلك أن التمويلات الوطنية سوف تواجه في المستقبل أوقاتاً كئيبة
كان العقد المقبل سوف يصبح صعباً على الدوام. وبينما يغري التقاعد هذه الزيادة في أعداد متوسطي العمر من سكان كثير من الدول، فإن الحكومات كانت تواجه تحولاً سكانياً مكلفاً. ولا تعمل الأزمة الاقتصادية الراهنة إلا على جعل الأمور أشد سوءا.
وما إن يمر الانكماش، حتى تكون الدول بحاجة إلى العمل على سد عجوزاتها المالية دون تحريك مزيد من الانهيارات في الإنتاج. وسوف تكون كذلك بحاجة إلى خدمة الديون الوطنية المنفتحة. وقدر صندوق النقد الدولي، الشهر الماضي، أنه من بين دول مجموعة العشرين التي اجتمع زعماؤها في لندن الأسبوع الماضي، فإن الدول الصناعية سوف تكون قد زادت ديونها الوطنية بمعدل قريب من 25 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في الفترة من 2007- 2014.
إن ذلك عبء ثقيل. غير أن تكلفة هذه الأزمة حتى عام 2050 لن تكون أكثر من 5 في المائة من الأثر المالي الذي تواجهه من تقدم أعمار سكانها. ويقول صندوق النقد الدولي، إنه: "على الرغم من التكاليف المالية المرتفعة للأزمة، فإن التهديد الرئيس الذي يواجه الملاءة المالية على المدى الطويل، لا يزال متمثلاً، على الأقل في البلدان المتقدمة، في الاتجاهات السكانية غير المواتية".
إن ذلك الأمر غير موات من وجهة نظر وزارة الخزانة . غير أن طول عمر بني البشر ليس أمراً سيئاً. على الدوام. وتموت أعداد أقل من الناس في عمر مبكر في الحوادث الصناعية، أو نتيجة للأمراض. وإذا استمروا في الحياة ليصبحوا من المعمرين، فإن المتقاعدين يعيشون على تقاعدهم، كما أن معدلات الولادة أصبحت متدنية في الغالب، الأمر الذي يترك عدداً أقل من الأطفال للاعتناء بآبائهم وأمهاتهم من كبار السن، وكذلك قوة عمل أصغر دافعة للضرائب التي تدعمهم كذلك.
يميل المسؤولون في عدد كبير من البلدان إلى التحدث حول المشكلة بطريقة تخفي فوريتها، ويقولون إن أثر التقدم في السن على العالم خلال أربعة عقود يزداد النقاش حوله بين الناس بأكثر من أثر ووزن المشكلة خلال عشر سنوات. غير أنه يمكن أن يكون للظاهرة السكانية أثر مهم في المجتمع خلال فترة زمنية قصيرة.
تم الاحتفال بنهاية الحرب العالمية الثانية في معظم العالم المتقدم، بقفزة في عدد المواليد، أو ما يطلق عليه تعبير "طفرة المواليد". وبدأ الشعور المفاجئ بحدة تلك الزيادة الآن، وهي التي بدأت قبل فترة طويلة، بينما يتساقط العمال من أسواق العمل بأعداد كبرى، ويبدأون المطالبة بالتقاعد.
تتوقع الحكومة في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، أن التكاليف الإضافية السنوية التي يفرضها التقدم في السن في السنوات العشر المقبلة وحدها، سوف تزداد لتصل إلى 1.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العامين 2017- 2018. وتلك زيادة في الإنفاق معادلة لخدمة الزيادة في عبء الديون الوطنية التي ستبلغ حوالي 37 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لحسابات "فاينانشال تايمز". ويتجاوز ذلك الارتفاع بنسبة 29 في المائة الذي يتوقع أن تحدثه الأزمة المالية، والتراجع الاقتصادي.
إن فرنسا، وألمانيا، هما بين البلدان الأخرى المتوقع أن تشهد تدهوراً مفاجئاً في التكاليف السكانية في العقد المقبل، بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي. ووفقاً لبيانات إدارة السكان في الأمم المتحدة، فإن عدد البالغين العاملين مقابل كل شخص فوق سن الخامسة والستين في الاقتصادات المتقدمة، سوف يتراجع خلال السنوات العشر المقبلة بقدر مجموع تراجعه خلال السنوات الثلاثين الماضية. وسوف يتراجع عدد العاملين مقابل المتقاعدين من 4.3 عامل إلى 3.4 عاملاً خلال العقد المقبل وحده.
إن بعض البلدان على هذا الطريق بالفعل. وسوف يستغرق الأوروبيون 20 عاماً حتى يصبحوا بمعدلات التقدم العمري التي تشهدها اليابان في الوقت الراهن. وأما بقية آسيا، فهي في سباق لتصبح غنية قبل أن يصبح سكانها أكبر من أن يعملوا. وتحتل كوريا الجنوبية الآن مرتبة مريحة، حيث لديها ستة أشخاص يعملون مقابل كل متقاعد. غير أنه بسبب انهيار معدل المواليد فيها، فإنها سوف تصبح من أكثر الدول من حيث اللون الرمادي لشعر سكانها بحلول عام 2050.
بالنسبة إلى المجتمعات، وإن كان ذلك لا يتم دائماً بالنسبة للأفراد، فإن من المحتمل أن تستطيع التعويض، وتخفيف آثار كثير من مشكلات التقدم في السن. وتتغير قوانين التشغيل لاستبقاء العاملين لفترات أطول في أعمالهم. ومع ذلك، فإن الانفجار الأحدث في الدين العام الذي فيه ما يكفي من الصعوبات بحد ذاته، يعمل على تفاقم أثر التقدم في السن الذي كان مكلفاً على الدوام. ولكن وجودهما معاً كفيل بأن يجعل العقد المقبل أشد قسوة على دافعي الضرائب.
الفجوة المالية التي لا بد من سدها
كلايـف كروك
لابد من إنفاق المزيد على عمليات الإنقاذ قبل انتهاء هذه الأزمة.
كان الكونغرس يصوت على ميزانية باراك أوباما، بينما كان الرئيس في أوروبا في الأسبوع الماضي. وبسبب الطموحات الواسعة للغاية للإدارة الأمريكية، والمتطلبات الهائلة التي تفرضها ميزانيتها على أسواق رأس المال المحلية والدولية، ستكون حصيلة هذا النقاش أكثر أهمية في نهاية المطاف للاقتصاد الأمريكي، بل وحتى للاقتصاد العالمي، من كل ما في تجمع القمة الباعث على السرور في لندن، رغم عدم تأثيره.
أقر مجلسا الكونغرس صيغتين من الميزانية قريبتين مما اقترحه أوباما. غير أن الأمر التالي ليس واضحاً، وسيتم اتخاذ قرار بشأنه في اجتماع لمجلسي النواب والشيوخ للتوصل إلى توافق حول الصيغتين، وكذلك الأمر بالنسبة للإجراءات الضريبية والإنفاقية التي تلي ذلك. وهناك أمر واحد مؤكد في هذه المرحلة هو زيادة مستمرة في الإنفاق عن العوائد في المشهد المالي طويل الأجل.
ترك المقترح الأساسي من جانب الإدارة، كما تذكر، عجزاً في ميزانية الرئيس بحدود 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وليس لهذا الأمر علاقة بالحافز المالي، إذ إن الفجوة تستمر عشر سنوات أو أكثر، بعد أن يكون الاقتصاد قد شهد تعافياً حازماً وقوياً ومستداماً. ومع الأخذ في الحسبان بيانات أحدث، وباستخدام فرضيات أقل طموحاً، فقد زاد مجلس الميزانية في الكونغرس تقدير نسبة العجز إلى 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وحتى قبل الميزانية، فإن الفجوة المالية الأساسية للبلاد، في ظل كونها تعكس ضغوطاً سكانية، وضغوطاً بعيدة أخرى على الإنفاق العام، قدرت بـ 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقاً لخطط الإدارة، الاقتصاد الأمريكي سوف يعد لتحية ذلك التراجع المؤكد بعجز هيكلي كبير قائم بالفعل.
غير أن ذلك ليس كل شيء، فأحد أعلى الالتزامات تكلفة في الميزانية هو إصلاح الرعاية الصحية. وتقدر التكلفة الكلية لذلك بـ 1200 مليار دولار، أو أكثر من ذلك خلال عشر سنوات، بينما تطلب الميزانية "دفعة أولى" لعشر سنوات تبلغ 600 مليار دولار فقط. ولذلك حتى العجز البالغ 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (4 في المائة حسب تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس) كان تقديراً أدنى بصورة متعمدة.
إن الأمور لا تزال تزداد سوءا. وتتأرجح نسختا الكونغرس الخاصتان بالميزانية هنا وهناك، بحيث تعتبران مجرد كلمات شفهية حول الحاجة إلى السيطرة المالية. لكن إذا أخذناهما معاً، فإنهما تشيران إلى الاتجاه الذي يمكنك أن تتوقعه: عجوزات أكبر في الأجل الطويل. ووافق مجلسا الكونغرس على خفض الإنفاق على عمليات الإنقاذ المالي في المستقبل، وتقليص الاعفاءات من ضريبة الحد الأدنى البديلة (ضريبة موازية تستهدف في الأساس الأثرياء للغاية، إلا أنها بدأت في التأثير على أسر الطبقة الوسطى).
إن هذه اقتصادات مضللة، إذ لابد من إنفاق المزيد على عمليات الإنقاذ قبل انتهاء هذه الأزمة. والأمر الأقرب إلى اليقين السياسي هو أن ضريبة الحد الأدنى البديلة المعروفة دوماً بالتعدي، سيستمر الدفع بها إلى الخلف، بتكلفة متمثلة في عوائد مفقودة، عاماً بعد عام.
عليك أن تتذكر كذلك أن من المحتمل الآن تمرير التوقيع على مبادرة الإنفاق الخاصة بالميزانية، بينما يبدو التوقيع على مبادرة جمع العوائد الخاصة بها ذا قدر مشؤوم.
ضمّن مجلس الميزانية نص الميزانية لغة مكتوبة يمكن أن تسمح بموافقة مجلسي الكونغرس على إصلاح الرعاية الصحية، وذلك بأغلبيات بسيطة، بدلاً من الأغلبية العظمى المطلوبة في العادة في مجلس الشيوخ. ولا يتضمن مشروع هذا القانون في مجلس الشيوخ مثل هذه اللغة، لكن الصيغة التي تنجم عن الاجتماع المشترك لمجلسي الكونغرس يمكن أن تتضمن ذلك. وإذا حدث ذلك، فإنه يمكن تفعيل هذا الاندفاع للإصلاح، حتى دون الحصول على صوت جمهوري واحد. وفي الوقت ذاته، وبما يعكس تردد كثير من الديمقراطيين، فإن مجلس الشيوخ يكون قد تجنب بالقدر ذاته هذا الإجراء المماثل بالنسبة لتحديد سقوف على الكربون والتجارة.
يمكن القول باختصار، إنه إذا كان الكونغرس يقصد ذلك، أم لا، فإنه يميل باتجاه جعل العجز في الأجل الطويل أكبر. وهو يعد كي يضمن توسعاً كبيراً ومستمراً لالتزامات الإنفاق الحكومي، بينما يخفق في الموافقة على توسيع ناجم عن ذلك بخصوص قاعدة الضريبة. وبالتالي، ثمة سؤال حاسم حول ما إذا كان أوباما، ولأي فترة زمنية، سيستمر في الالتزام بتعهده الخاص بزيادة ضرائب الدخل "حتى سنتا واحدا" على كل الأمريكيين تقريباً.
ينوي أوباما الضغط ضريبياً على الأغنياء، لكن مدى ذلك يمكن أن يكون أكثر محدودية مما يرغب فيه الليبراليون الأمريكيون. ويبدو أن قلة من الأمريكيين هم الذين يعون أن قانون الضرائب الأمريكي، كما أظهرته دراسة حديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من أكثر القوانين تصاعدية*. وحتى قبل الارتفاع الضريبي الذي يخص أعلى المعدلات الحدية الذي وعد به أوباما، فإن ضريبة الدخل الأمريكي تحصل على 45 في المائة من عوائدها من أعلى الشرائح دخلاً. وفي بريطانيا تبلغ النسبة 39 في المائة، كندا 36 في المائة، فرنسا 28 في المائة، وفي السويد 27 في المائة. وتبلغ 32 في المائة في المعدل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
يمكن تفسير هذه الفروقات جزئياً بالتوزيع الضريبي الأمريكي الأقل عدلاً. وحقيقة كون الولايات المتحدة ليست لديها ضريبة مبيعات ذات قاعدة واسعة – لا تزال ضرائب القيمة المضافة تجعل قوانين الضرائب الأوروبية الشاملة أقل تصاعدية - يزيد من أهمية وتأكيد هذه النقطة. ويعمل نظام الضريبة الأمريكية على جمع دخل قليل نسبياً، وذلك القليل يأتي بالفعل بصورة غير متناسبة ـ من الأغنياء حسب المعايير الدولية.
سبق لي أن جادلت بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى ضريبة قيمة مضافة. وحتى قبل أن يكشف أوباما عن إصلاحه الطموح للرعاية الصحية، وإعانات مساعدة العمال الفقراء، وتحسين التعليم، وغير ذلك، فإن الطبقة الوسطى الأمريكية كانت تدفع ضرائب أقل مما يجب، وبصورة خطيرة. ووعود الحكومة، حسب الخطط الحالية، غير قابلة للتحمل. وإذا تم الوفاء بها، بغض النظر عن ذلك، فإن السؤال الوحيد هو ما الذي يأتي أولاً: الزيادة الضريبية واسعة القاعدة، أم الانهيار المالي. فأهلاً بعودتك إلى الوطن، أيها السيد الرئيس.
Growing Unequal? Income Distribution and Poverty in OECD Countries. OECD 2008
كيف تتجنب آسيا انخفاض قيمة موجوداتها الدولارية؟
الاقتصادات الآسيوية تملك 25 في المائة من إجمالي الديون السيادية للولايات المتحدة.
يو كياو
من المتوقع أن يحث الرئيس باراك أوباما الزعماء على زيادة الإنفاق الحكومي من أجل إنقاذ اقتصاد العالم. ومن المتوقع أن تركز البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على إصلاح أنظمتها المالية المتساهلة. لكن بالنسبة للبلدان الآسيوية، الموضوع الرئيسي في أجندتها هو سلامة موجوداتها المقومة بالدولار، خاصة أنها تتوقع انخفاض قيمة الدولار بسبب زيادة الدين السيادي للولايات المتحدة.
معظم الإنفاق التحفيزي الوارد في خطط أوباما مخصص للبرامج الاجتماعية وليس لتعزيز النمو، الأمر الذي يمكن أن يفاقم مشكلة الإفراط في الإنفاق في أمريكا ويؤخر تحقيق الانتعاش المستدام. وعلى رأس هذه المشكلة، فإن التحفيز المالي غير المسبوق، في ظل تحرك بنك الاحتياطي الفيدرالي لضخ الأموال في أسواق الائتمان، يحتوي على بذور التدمير الذاتي. ذلك أن الولايات المتحدة تجازف بإنهاء دور الدولار عملة احتياطية، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن على الولايات المتحدة دين قدره 10000 مليار دولار على شكل سندات خزينة، ومبالغ طائلة أخرى على شكل مطلوبات ناتجة عن تكاليف إنقاذ قطاعات الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، والمؤسسات المالية.
إن توفير دولار مستقر ويعتمد عليه وذي صدقية ربما يأتي في أهميته بعد المصالح الأمريكية قصيرة المدى، الأمر الذي يشكل خطراً على الاستقرار النقدي العالمي. وفي المدى الطويل ربما تحاول أمريكا حل مشكلة الفوضى الاقتصادية التي تمر بها، عبر تخفيض قيمة الدولار في أحسن الأحوال، وبالتخلف عن السداد في أسوئها. وهناك قول صيني مأثور يعبر عن هذه الحال: "شرْب سائل سام يطفئ الظمأ". ويشير التاريخ إلى أمثلة مثل انهيار نظام بريتون وودز في أوائل سبعينيات القرن الماضي. ذلك أن الأجانب الحاملين لالتزامات الولايات المتحدة المقومة بالدولار هم الذين سيدفعون الثمن في النهاية.
وحذر محللون من مخاطر فقاعة سندات الخزينة الأمريكية التي تطورت في أواخر عام 2008. ورغم أن التأمين ضد التخلف عن سداد الدين السيادي النائج من مخاطر الائتمان، إلا أن ذلك لا يستطيع حماية القيمة الحقيقية للسندات المقومة بالدولار. وإذا انفجرت هذه الفقاعة، فستكون بلدان منطقة شرقي آسيا هي الضحية. ذلك أن اقتصادات هذه البلدان تحمل 1600 مليار دولار من الدين السيادي للولايات المتحدة، أي 25 في المائة من مجمل الدين. وإذا أدخلنا الممتلكات المباشرة، ربما يصل حمل الآسيويون إلى نصف سندات الخزينة العامة الحالية. ووفقاً لبعض التقديرات، تحمل الصين بصورة مباشرة وغير مباشرة ما تزيد قيمته على 1200 مليار دولار من سندات الخزينة الأمريكية. وإذا تعرض الدولار للانهيار، فسيكون لانهياره عواقب مدمرة على الثروة التي كسبها الآسيويون بشق الأنفس وسوف تنتهي العولمة الاقتصادية.
لا يوجد أي نظام مالي عالمي آخر يقدم بديلاً معقولاً. لكننا نستطيع أن نجعل قوة العملة الاحتياطية الرئيسية أكثر مسؤولية عبر إيجاد أداة تساعد في إدارة الأزمة العالمية.
وتقوم الفكرة الأساسية على تحويل المدخرات الآسيوية، خاصة الصينية، إلى استثمارات عملية حقيقية، بدلاً عن السماح باستخدامها لدعم إفراط الولايات المتحدة في الإنفاق. ذلك أنه بينما تعتبر السندات التي تدر دخلاً ثابتاً عرضة للتأثر بأي هبوط في قيمة الدولار، يعد تملك حصص في الشركات التي تتمتع بوضع سليم وفي مشاريع البنية التحتية عرضة لخطر أقل من خطر انهيار العملة. لكن الآسيويين لا يرغبون في حمل خطر هذا الاستثمار بسبب الاضطراب الذي تشهده السوق، وبسبب افتقارهم إلى المعرفة بالأمور الثقافية، والقانونية، والتنظيمية في الشركات الأمريكية. لكن إذا تم إيجاد برنامج ضمان، فيمكن أن يكون المدخرون الآسيويون على استعداد للاستثمار مباشرة في الصناعات الأمريكية المتعطشة لرأس المال.
أولاً، تستطيع البلدان الآسيوية أن تتفاوض مع حكومة الولايات المتحدة على إيجاد تسهيلات خاصة للإنقاذ عند حدوث الأزمات. ويمكن استخدام هذه التسهيلات إلى جانب الجهود الاتحادية التي تبذلها الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في القطاع المصرفي، والاستثمار في مشاريع البنية التحتية التي تستهلك قدراً كبيراً من رأس المال، كإنشاء خط للقطارات السريعة بين بوسطن وواشنطن دي سي.
ثانياً، يمكن للآسيويين أن يضعوا نسبة من سندات الخزينة التي يحملونها تحت مظلة تسهيلات الإنقاذ الخاصة بالأزمات، لتحويل الدين السيادي إلى استثمار في الأسهم. وأية أموال خاصة بهذه التسهيلات يتم تخصيصها للاستثمار الصناعي ستظل مملوكة ومدارة من قبل بلدانها الأصلية. وفي المقابل، يحمل الآسيويون أسهم حصص أقلية تكون قابلة للتحويل إلى سندات على غرار أسهم الأفضلية.
ثالثاً، تقوم الولايات المتحدة بدور الضامن، عبر تقديم برنامج ضمان سيادي لتأمين رأسمال الاستثمار ضد احتمال تخلف الشركات، أو المشاريع المستهدفة عن السداد.
رابعاً، يمكن لبنك الاحتياطي الفبدرالي أن يؤسس حساباً خاصاً مع الحكومة الأمريكية لتأمين السيولة التي تحتاجها تسهيلات الإنقاذ عند الأزمات، وذلك لتحويل الدين السيادي إلى استثمار صناعي في الولايات المتحدة.
من شأن هذه التسهيلات أن تقلل من تخوف الآسيويين بشأن التخلف المطلق عن سداد الديون السيادية جراء انهيار الدولار. وتوجيه الأموال للاستثمار في الأنشطة لن يكلف الولايات المتحدة إلا قليلاً وسيساعدها. أما السياسات الكينزية التقليدية – التوسع المالي والنقدي على الصعيد الوطني – فلن تحل المشكلة بل تزيدها سوءاً.
الكاتب أستاذ للاقتصاد في مدرسة السياسات العامة والإدارة في جامعة تسينغهوا في بكين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق