قضايا و اراء
44774 السنة 133-العدد 2009 يوليو 8 15 من رجب 1430 هـ الأربعاء
المصالحة العربية ما زالت متعثرة
بقلم: د. حسن أبوطالب
يخطئ من يظن أن بلدا عربيا أو بلدين يمكنهما أن يعطلا مسيرة التوافق العربي, أو أنهما يملكان أوراق النظام العربي من أجل مصالحهما الخاصة أو الضيقة جدا. ويخطئ من يتصور أن العالم العربي لا يستطيع أن يعيش بدون طرف بعينه, او ان النظام العربي قاصر إلي الحد الذي لا يتحرك إلا بمشورة هذا البلد وبنصائحه وتدخلاته. فالمصالحة العربية التي انطلقت أولي خطواتها في قمة الكويت الاقتصادية في فبراير الماضي بعد دعوة العاهل السعودي الملك عبدالله القادة العرب للنظر إلي المستقبل والتعاون معا من أجل خير الأمة العربية والتعالي علي الجراح, تشهد الآن نوعا من التعثر الشديد, ليس لأن السعودية قد تراجعت عن دعوتها للمصالحة العربية, أو أن مصر لم تقم بما يكفي من جهد لاتمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام الفلسطيني, ولكن لأن الدول العربية التي كانت معنية بدعوة المصالحة بعد أن تثبت صدق نواياها وتخفف من سطوتها علي بعض أطراف النظام العربي وقضاياه المختلفة, لم تقم بما يجب أن تقوم به من أجل توفير بيئة عربية صالحة للانطلاق من حالة التشظي الراهنة إلي حالة التوافق العربي المرغوب.
ثمة مسئولية واضحة ومحددة علي هؤلاء الذين يتصورون أنهم يمثلون الأرقام الصعبة, أو أنهم الأكثر قدرة علي تحديد جدول أعمال النظام العربي دون التشاور مع الأطراف العربية الأخري. وهي مسئولية قومية وتاريخية في آن. قومية بالمعني الذي يكشف تناقضا واضحا بين القول والشعار, وبين الفعل والأداء. وتاريخية بمعني أن هذه الأفعال الصغيرة سيكون لها تأثير بالغ السوء علي المصير العربي ككل.
كلنا نعرف أن النظام العربي واجه في تاريخه الحديث تحديات شديدة الوطأة, بدأت باحتلال واغتصاب فلسطين طوال ستين عاما, ووصلت أخيرا إلي محطة احتلال العراق قبل ست سنوات, وما بينهما من عدوان إسرائيلي شرس ومستمر علي أكثر من بلد عربي, فضلا عن فشل وانقسام دول عربية كاليمن والصومال وغيرهما. ومع ذلك فقد ظل النظام العربي قائما وقادرا علي المواجهة والمراوغة. هذه القائمة من التحديات التي تحركها قوي خارجية ورغم خطورتها, الا انها تظل أقل خطورة من تلك التحديات التي تنبع من داخل النظام العربي نفسه ومن انقسام أطرافه الاساسية ومن ضياع البوصلة التي تهدي عمل النظام ككل. فتحديات الداخل مثل السوس الذي ينخر القلب ويفت عضد السواعد ويقصر العمر. وللأسف الشديد يعيش العرب في الوقت الراهن مثل هذه الحالة من نخر السوس في القلب وفي العقل أيضا.
دعونا ننظر إلي هذا الجهد الكبير الذي بذلته القاهرة وما زالت تبذله بكل اخلاص من أجل إعادة القطار الفلسطيني إلي مساره الطبيعي متمثلا في حكومة موحدة وبرنامج عمل واضح واجهزة أمنية فاعلة وملتزمة القانون والدستور. ودعونا ننظر أيضا إلي ما تقوم به الرياض من اتصالات وزيارات مع عواصم عربية عدة من أجل بلورة مناخ يساعد رئيس الوزراء اللبناني المكلف الشيخ سعد الحريري علي إكمال مهمته في تشكيل حكومة لبنانية تلتزم الأطر الديموقراطية وتعكس نتائج الانتخابات وما أفرزته من أغلبية وأقلية يحتاج كل منهما الآخر دون تجاوز حقيقة وزن كل طرف علي حدة.
ففي هذين المثلين يتضح أن هناك من يبذل جهدا صادقا وأن هناك أيضا من يقف بالمرصاد أمام هذا الجهد ويحول دون أن يصل إلي مبتغاه الطبيعي.
وحتي اللحظة, وبعد سبع جولات من الحوار الفلسطيني تحت الرعاية المصرية, تتأكد حقيقة أن هناك مراكز قوي فلسطينية سواء داخل حماس أو داخل فتح ترفضان التجاوب السلس والمسئول مع المبادرات والافكار المصرية, وأن هذه المراكز تتصرف باعتبار أن الزمن يجري لصالحها رغم أن كل الشواهد تؤكد أن عامل الزمن لم يعد يلعب لصالح الفلسطينيين بقدر ما يلعب لصالح الاسرائيليين الذين يجيدون استهلاك الزمن وتحويله إلي حقائق استيطانية جديدة ومتشعبة علي الأرض الفلسطينية المحتلة. وأن هذه المراكز تتصرف أيضا ليس بوحي من المصلحة الفلسطينية العليا, ولكن بدافع من مصالح فئوية ضيقة تستند إلي دعم خارجي واضح من طرف عربي وأخر إقليمي, ولا يهم هنا القضية الفلسطينية أو مصير الناس ومصالحهم وحقوقهم المشروعة.
لقد أكد الفشل في جولات الحوار الفلسطينية أن إرادة المصالحة الفلسطينية ليست متوافرة حتي اللحظة, وأن البعض الفلسطيني يصوغ قراره بناء علي حالة الشد والجذب في الإقليم ككل, وليس بناء علي الاستحقاقات الفلسطينية نفسها. ومن هنا تبرز بين الحين والآخر قضايا فرعية مفتعلة كموضوع المعتقلين الفلسطينيين بين حكومتي رام الله وغزة والذي أسهم بدوره في إفشال الحوار, وأضاف عقبة أخري للعقبات العصية العديدة التي أوقفت الحوار الفلسطيني في المربع ما قبل الأول دائما, وبذلك أثبتت أن قدرة الفلسطينيين علي التعطيل واللف والدوران وتبديد الموارد المحدودة هي قدرة هائلة بكل المقاييس. ومعظم ذلك ليس للصالح الفلسطيني العام, بل لصالح قوي فلسطينية بعينها, ومن خلفها قوي عربية تعتبر أن إنهاء الانقسام الفلسطيني سيحرمها مادة دسمة في اتصالاتها الدولية والاقليمية المختلفة.
المثل اللبناني بدوره يكشف جانبا آخر من حقائق تعثر المصالحة العربية. فقد جاءت النتائج بأغلبية أقل من الثلثين لصالح تيار المستقبل وحلفائه من المسيحيين والدروز, ويصاحبها أقلية أكثر قليلا من الثلث البرلماني, وبحيث يفرض علي الاغلبية مشاركة محسوبة لهذه الاقلية في الحكومة المقبلة, والتي اصطلح علي تسميتها حكومة توافق وطني, ولكن ليس إلي الحد الذي يعطل عمل الحكومة ويثبت مقولة الثلث الضامن. وفي غمار الاتصالات الطبيعية من اجل إنجاز تشكيل الحكومة المنتظرة سعيا لأن تكون تشكيلة لبنانية خالصة, جرت مياه مهمة في مياه نهر الاتصالات السعودية السورية بهدف تدعيم حالة انفتاح عربي علي سوريا, وفي المقابل أن تلعب دمشق دورا إيجابيا في إقناع حلفائها اللبنانيين من قوي8 آذار للتجاوب مع مساعي الحريري في تشكيل الحكومة العتيدة. غير أن ما تسرب عن رغبة سورية في أن يزور الشيخ سعد الحريري دمشق قبل ان ينهي تشكيل حكومته, بدا أمرا غريبا جدا, وكأنه يعيد تكرار مشهد سياسي انتهي عمره الافتراضي منذ ان خرجت القوات السورية من لبنان في مارس.2005
هذا الطلب الذي قوبل باستياء لبناني, وبتمنع خاص من سعد الحريري, والذي رأي أن كل شيء في وقته حلو, ليس سوي مظهر من مظاهر تعميق الخلافات وليس حلها, خاصـة أن الجميع يدرك أن العلاقات السورية اللبنانية في اللحظة الراهنة ليست هي العلاقات السورية اللبنانية التي كانت حتي فبراير2005 حين اغتيل رفيق الحريري, في زلزال سياسي وأمني كان ولا يزال خطيرا جدا في نتائجه وتداعياته. فما كان مقبولا عربيا ولبنانيا إبان وجود القوات السورية علي الاراضي اللبنانية, لم يعد مقبولا في عهد يشعر فيه غالبية اللبنانيين أنهم باتوا أقرب إلي الاستقلال والحرية والسيادة مما كان سابقا. مثل هذا الطلب السوري ليس غريبا فقط, بل هو محاولة للايحاء بأن مصير لبنان السياسي ما زال مرهونا بالنصائح السورية وبالتدخلات المباشرة في ملف تشكيل الحكومة الذي يعد أكثر الملفات حساسية في لبنان.
وحسنا تفعل سوريا إن استمرت علي موقفها الذي اتخذته إبان الانتخابات اللبنانية الاخيرة, حيث امتنعت عن التدخل المباشر فيها, وأبقت نفسها بعيدة عن تشكيل الحكومة اللبنانية والتي يبدو أن أحد اهم بنودها أن تصوغ علاقات طبيعية مع الجارة الكبري سوريا علي قدم المساواة والندية. وهو أمر إن حدث فسيثمر ليس لبنانيا وحسب, بل عربيا أيضا. فهل تفعلها سوريا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق