قراءة في حكم المركز الدولي في قضية( سياج)
بقلم: محمد ماجد خلوصي
رئيس الاتحاد العربي لمراكز التحكيم الهندسي
من البديهي أن معظم المشاريع الوطنية يكون فيها العنصر الأجنبي طرفا أساسيا في المشروع الاستثماري
وذلك لحاجة المشروع إلي خبرات ومهارات ذلك العنصر, وبذلك يكون شرط اللجوء إلي التحكيم لفض النزاعات بشأنه ضرورة يحرص عليها كل طرف وبشكل خاص الطرف الأجنبي, الذي يريد أن يضمن لنفسه أو لمشاركته في الاستثمار, تقاضيا خارج إطار نفوذ قضاء الطرف الآخر, وهذا ما دفع بالعديد من الدول إلي الدخول في اتفاقيات ثنائية مع مثيلاتها من الدول الأخري لتنفيذ أحكام المحكمين الصادرة في بلدانهم, وقد غدا من المألوف في حقل التجارة الخارجية أن نري مستثمرين من جنسيات مختلفة يقيمون في بلدان بعيدة ويجهلون كل شيء عن الأصول والقوانين المطبقة في البلدان الأخري, وهؤلاء سيترددون كثيرا أمام عقد صفقه تجارية أو الدخول في مشروع استثماري قد يخضع لقوانين أجنبية مجهولة بالنسبة إليهم. ومن أهم هذه الاتفاقيات اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخري الموقعة في1965/3/18 حيث يمكن اعتبارها بأنها تتميز بخصائص جديدة في عالم التحكيم من أهمها الاعتراف بالقرار التحكيمي, مما يعطي للقرار التحكيمي القوة نفسها التي يتمتع بها الحكم القضائي الصادر من أعلي سلطة قضائية في أي بلد من البلدان الأعضاء الموقعة علي الاتفاقية.
وقد انضمت جمهورية مصر العربية في عام1972 إلي هذه الاتفاقية والتي أنشيء علي أثرها المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار( مركز الأكسيد) التابع للبنك الدولي. ومما لاشك فيه أن نظام التحكيم المحدد في اتفاقية الأكسيد(I.C.S.I.D) يشكل خطورة علي حكومات العالم الثالث. وهذه الاتفاقية وقع عليها حتي الآن156 دولة وهي توفر للمستثمر الأجنبي نظاما دوليا يضمن له مقاضاة الدولة المضيفة لاستثماراته مباشرة, وتشترط الفقرة الأولي من المادة25 من اتفاقية واشنطن أن توافق الأطراف المتنازعة( الدولة المضيفة والمستثمر) كتابة علي إحالة منازعاتهم إلي التحكيم أمام المركز المذكور, ويعد توافر هذا الشرط ضرورة لمنح اختصاص لهذا المركز بنظر هذا النزاع
. ولكن اتفاقية واشنطن لا تشترط تسجيل موافقة الطرفين في مستند قانوني في العقد مثلا, حيث يمكن أن تكون هذه الموافقة في أي مستند آخر مكتوب وذلك بأن تعرض الدولة المضيفة للاستثمار في تشريعاتها المشجعة للاستثمار إحالة نزاعات معينة إلي التحكيم وفقا لقواعد مركز الأكسيد علي أن يبدي المستثمر موافقته علي هذا العرض. وللأسف فإن المشروع المصري كان ينص علي تسوية المنازعات الناشئة عن تطبيق نصوص قانون استثمار رأس المال العربي والأجنبي رقم43 لعام1974 عن طريق التحكيم أمام مركز الأكسيد.
وقد عرض لمصر أمام الأكسيد عشر قضايا منها قضية هضبة الأهرام حيث قضي فيها بتاريخ1983/2/16 بإلزام الحكومة المصرية بسداد مبلغ وقدره16,75 مليون دولار أمريكي, وكان قد سبق ذلك صدور حكم آخر عن ذات القضية أمام غرفة التجارة الدولية بباريس بمبلغ12,5 مليون دولار.
والقضية الثانية هي قضية وينا للفنادق التي حكم فيها بتعويض قدره نحو عشرين مليون دولار أمريكي لرافع الدعوي وكان مصري الجنسية وقضايا أخري عديدة. ثم قضية هلنان واخيرا قضية سياج التي شغلت الرأي العام والتي لن نتدخل في تفاصيلها, ولكننا وباستقراء هذه القضايا نلاحظ أن70% من هذه القضايا قد حكم فيها ضد الحكومة المصرية, ونحن هنا لا نريد البكاء علي اللبن المسكوب ولكننا نبحث عن الأسباب التي أدت لذلك وأهمها:
هل يجوز للمتجنس بجنسبة غير الجنسية المصرية, ومازال يحمل جواز سفر مصريا أن يقاضي وطنه خارج الوطن؟ أين الولاء للوطن ؟ أما كان من الواجب عليه أن يلجأ إلي الوسائل البديلة لفض النزاعات ؟ ألا توجد ضريبة علي رجال الأعمال يجب أداؤها لهذا الوطن؟ ألا تعطي الأحكام السابقة إيحاء بالتحيز ضد المصالح المصرية ولذلك فإننا يجب أن نضع بعض النصائح قبل التعامل في مثل هذه النوعية
من القضايا وتتمثل في:1 ـ لابد من صدور تشريع يمنع حاملي الجنسية المزدوجة من استغلال الجنسية الثانية لمقاضاة الحكومة المصرية, واعتبار ذلك نوعا من الخيانة الاقتصادية العظمي للوطن.2 ـ لابد من اللجوء إلي الوسائل البديلة لفض النزاعات في حالة وجود مستثمر أجنبي ووجود شرط تحكيم يوجب اللجوء إلي مركز حسم منازعات الاستثمار بواشنطن, وهذه الوسائل مثل الوساطة أو التوفيق أو مجلس فض النزاعات, علي أن يحدد ذلك مسبقا في التعاقد, حيث إن ذلك سيؤدي إلي تخفيف وطأة هذه الأحكام الجائرة.3 ـ لابد من الرجوع إلي كبار المتخصصين في العقود عند إبرام الدولة للعقود مع المستثمرين الأجانب, مع ضرورة تعيين مديرين لإدارة هذه العقود أثناء تنفيذها لتوخي المشاكل التي تترتب عن الأخطاء التي قد تقع فيها الدولة أثناء التنفيذ وذلك بإعداد المستندات والأوراق اللازمة أثناء تنفيذ العقد بما يضمن موقفا قويا للدولة عند حدوث نزاع.4 ـ يجب إعادة النظر في الاتفاقيات الثنائية المبرمة وكيفية معالجتها.5 ـ الاهتمام بتدريب السادة أعضاء هيئة قضايا الدولة علي مثل هذه النوعية من العقود والنزاعات ودعمهم ماديا وفنيا وإعداد الكوادر المتخصصة في التحكيم الدولي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق