فاجأة: «الاتفاقية الإطارية» غير مدرجة فى اجتماع «حوض النيل» .. ومحاولات «مصرية - سودانية» لإضافتها
كتب متولى سالم ونبيل أبوشال ٢٧/ ٧/ ٢٠٠٩
[ نصر الدين علام]
نصر الدين علام
يفتتح الدكتور أحمد نظيف، رئيس مجلس الوزراء، اليوم، اجتماعات المجلس الوزارى لوزراء المياه بدول حوض النيل بالإسكندرية، وسط تأكيدات باستبعاد مناقشة الاتفاقية الإطارية من جدول أعمال اجتماعات المجلس، فيما تحاول مصر والسودان إضافتها للمناقشة، بينما أكدت مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية بطلان أى اتفاق بدون البلدين حول مياه النيل.
أكدت مصادر رفيعة المستوى أن وزير الموارد المائية والرى الأثيوبى اصفاو دينجامو قرر أن يبدأ زيارته إلى القاهرة بلقاء الدكتور أحمد نظيف قبل حضوره اجتماعات المجلس الوزارى لوزراء المياه بدول حوض النيل، وذلك لتبديد المخاوف التى أثارتها دول أعالى النيل حول الاتفاقية الإطارية للنهر، وبحث تفعيل التعاون بين مصر وأثيوبيا وضخ المزيد من الاستثمارات المصرية فى جميع المشروعات هناك.
من جانبه، أكد ديفيد جراى، مسؤول البنك الدولى فى مبادرة حوض النيل، أن البنك يقوم بتمويل جميع المشروعات المائية أو غيرها فى جميع دول حوض النيل، شريطة ألا تسبب هذه المشروعات ضرراً لأى دولة، موضحاً أن الدول لا تحدد مدى ضرر هذه المشروعات عليها، ولكن لوائح البنك وخبراءه هم الذين يحددون أضرار المشروعات.
وفى مفاجأة كبيرة، كشفت مصادر المسؤولة باجتماعات دول حوض النيل، أنه لن يتم مناقشة الاتفاقية الإطارية خلال اجتماعات الاسكندرية، وأنه سيتم التركيز على المشروعات التى يجرى تنفيذها حاليا رغم محاولات مصر والسودان إضافتها إلى جدول الأعمال للتخفيف من ضغوط الرأى العام فى البلدين بشأن تأخر الاتفاق مع دول حوض النيل مع الالتزام بالشروط المصرية قبل التوقيع على الاتفاقية الشاملة.
وأكد مصدر رفيع المستوى بوزارة الموارد المائية والرى أن جولة المفاوضات الحالية فى الاسكندرية لن تشهد أى مفاوضات حول النقاط المعلقة للاتفاقية الإطارية، ولكن ستتم دراسة البدائل الاخرى، والتوصل الى صيغ مقبولة من الجميع فى إطار سياسة win-win أى «المنفعة للجميع»، وبما يضمن عدم المساس بالمقترحات المصرية السودانية التى تم طرحها على وزراء المياه بدول الحوض فى البيان المصرى - السودانى المشترك المعبر عن وجهة نظر البلدين والمتعلقة بالشروط المصرية الثلاثة، وهى بند الأمن المائى والإخطار المسبق قبل إقامة أى مشروعات فى أعالى النيل واتخاذ القرارات بالإجماع أو الأغلبية المشروطة، والذى تم إخطار وزراء المياه بدول الحوض بهذه المقترحات عقب اجتماعات «كينشاسا» أوائل يونيو.
وأشار المصدر إلى أن مصر اتخذت قرارا بعدم التطرق إلى مناقشة الاتفاقية الإطارية، ومع ذلك أعد الوفد المصرى عددا من السيناريوهات تحسبا لأى مفاجآت بسيناريو خفى قد تطرحه اثيوبيا فى الاجتماع.
ولفت إلى أن دول حوض النيل الشرقى ستكتفى بمناقشة مشروعين من مشروعات المبادرة، الأول يتناول تطوير الرى فى غرب الدلتا والذى تم ضمه مؤخرا إلى مشروعات المبادرة، فيما يستهدف المشروع الثانى حماية بحيرة ناصر من زيادة معدلات الإطماء والبخر بتكلفة تصل الى ٣ ملايين دولار.
من جانبها، أكدت السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، أنه ليس مطلوبا من الاجتماع الوزارى لمجلس وزراء مياه حوض النيل اليوم أن يتم التوقيع على الاتفاقية الإطارية لدول الحوض، موضحة أن الموضوع غير مطروح للنقاش وغير مدرج فى جدول أعمال الوزراء.
وقالت منى عمر خلال المؤتمر الصحفى الذى عقدته أمس على هامش اجتماعات اللجان الفنية لمبادرة حوض النيل: الاتفاق من وجهة نظر دول المنابع السبع (أثيوبيا – أوغندا – كينيا- تنزانيا – الكونغو- رواندا – بروندى) تم إعداده وتنقيحه، وجاهز للتوقيع أول أغسطس المقبل، وغير مطروح فى هذا الاجتماع أساسا، وبالنسبة لمصر علينا أن نقرر هل سنوقع أو لن نوقع على هذا الاتفاق.
وأضافت أن موقف مصر القانونى وفقا للقانون الدولى المتعلق بالاتفاقيات المائية صحيح وسليم ١٠٠%، وأنها ملتزمة حتى الآن مع جميع دول العالم بهذه الاتفاقيات التى أبرمت بين القاهرة ودول حوض النيل قديما.
وأشارت منى عمر إلى أن الاتفاق الاطارى الذى يعد حاليا تحت مظلة مبادرة حوض النيل سيشمل هذه الاتفاقيات وغيرها، مؤكدة أنه «فى حالة عدم توقيع القاهرة على الاتفاق الإطار، فسيكون موقفنا هو الالتزام بالاتفاقيات القديمة التى تحفظ حقوقنا المائية فى نهر النيل فى كل الأحوال».
وشددت على أن موقف مصر من ناحية الأمن المائى سليم، وكذلك من الناحية القانونية، وأنه ليس لدى مصر أى مشكلة، وأنها حريصة على تنمية العلاقات مع دول حوض النيل ودول المصب لتحقيق التنمية، فى إطار تبادل المصالح والحرص على العلاقات التاريخية وحسن الجوار.
وأضافت مسؤولة الشؤون الأفريقية فى وزارة الخارجية أن مصر لها الحق فى مقاضاة أى دولة تنفذ مشروعا يؤثر على حقوقها المائية فى نهر النيل أمام المحاكم الدولية، مؤكدة أن الاتفاقيات تساند موقف القاهرة من الناحية القانونية، خاصة أن مصر والسودان هما دولتا مصب لنهر النيل ولابد أن تكون هناك موافقة مسبقة من البلدين على أى من المشروعات التى لها علاقة بمنابع النيل.
وأشارت إلى أن إجراءات البنك الدولى فى هذا المجال تؤيد الموقف المصرى استناداً إلى القوانين الدولية، وأنه من حق دول المصب الموافقة أو عدم الموافقة على مشروعات دول المنابع لإثبات عدم الضرر.
وقالت إن تقديراتها الشخصية أن الاحتياجات الملحة لدول مثل تنزانيا وكينيا، بسبب التغيرات المناخية التى تشهدها المنطقة، بالاضافة الى نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات والمواشى، جعلت هذه الدول مضطرة لإعطاء أولوية أكثر لموضوعات المياه، وهو ما أبرز هذه المسائل فى هذا التوقيت بالذات.
وحول نظرية المؤامرة فى أن دول حوض النيل تتحرك بإيعاز من جهة أو دولة، اعتبرت السفيرة منى عمر أن هذا «كلام عايم»، وقالت: ليست هناك أشياء ملموسة حتى لا يؤدى ذلك لأن نخسر علاقاتنا مع دول مهمة بالنسبة لنا لمجرد كلام يقال.
طالع المزيد
عندما يتحرك الرئيس
ندما يتحرك الرئيس
بقلم أحمد الصاوى ٢٧/ ٧/ ٢٠٠٩
«هذا يوم رائع.. صحوت من نومى مبكراً، قرأت الصحف وتابعت ملف الخلاف بين دول حوض النيل على توقيع الاتفاقية الإطارية.. الجدل الصاخب، الذى صاحب وسبق هذه الاجتماعات، يجعل متابعتها أمراً مثيراً للمتابع العادى.. فما بالك وهذا الملف من أولوياتى وأولوياتك.. من حياتى وحياتك».
صباح اليوم «الإثنين» وزراء مياه حوض النيل مجتمعون فى الإسكندرية فى انتظار الدكتور أحمد نظيف الذى سيفتتح الاجتماعات الرسمية، بعد يومين فقط من تصاعد اللهجة بين مصر ودول المصب السبع، وصلت إلى تلويح مصر بالانسحاب من مبادرة حوض النيل وتعطيل جميع المشروعات المشتركة، طالما تصر دول المصب على تجاهل الشروط المصرية، وتجاهل الاعتراف بالحقوق التاريخية لمصر فى مياه النهر.
«النهر نهرنا»، ونحن دولة المصب، أكثر من كونه نهر دول المنبع، فهو مصدرنا الأوحد للمياه العذبة، بينما الآخرون عندهم من البدائل ما يغنى عن النهر، النهر خطنا الأحمر، النهر حياتنا ومستقبلنا وأمننا القومى، النهر نهرنا ونهر أولادنا وأحفادنا وأولادهم وأحفادهم إلى أن يرث الله النهر وما على الأرض جميعاً.
لذلك كانت لحظة تاريخية، تلك التى حدقت فيها فى شاشة التليفزيون التى كانت تستعد لنقل وقائع الجلسة الرسمية الأولى للاجتماعات بحضور نظيف، فإذا بالرئيس مبارك يدخل القاعة، فى مفاجأة لى وللحضور فى المؤتمر، الانبهار الذى ظهر على ملامح وفود دول حوض النيل كان كافياً للتعبير عن المفاجأة.. كذلك السعادة التى غمرتنى بهذا الاهتمام الرئاسى غير المستغرب فى الأوقات الصعبة.
لم يكن المعلق التليفزيونى ينافق - ربما لأول مرة فى تاريخه - وهو يكيل كلمات الإطراء والمديح للرئيس مبارك، ويصف حضوره الاجتماعات بالمفاجأة التاريخية، وبدا أكثر اتزانا وفهماً وهو يشرح أن هذا التحرك من الرئيس مبارك يعكس اهتماماً رئاسياً بالملف الذى لا يقل أهمية عن ملف الصراع العربى - الإسرائيلى، ويشرح أنه إذا كانت لمصر مصلحة فى تهدئة الوضع فى الشرق الأوسط، فإن لها ألف مصلحة فى استقرار منطقة حوض النيل، فيما أسهب المحللون الذين استضافهم التليفزيون فى تحليل هذه المبادرة المهمة التى تنم عن وعى عميق من صانع القرار بأولويات الأمن القومى، وتدشن لمرحلة جديدة من التركيز الرئاسى على قضية المستقبل والحياة.
لم يكن خطاب الرئيس مبارك فى الإسكندرية خطاباً عادياً، كان «تاريخياً» دون نفاق أو مجاملة، يضعه الدارسون لمنطقة حوض النيل ولتاريخها موضع الوثيقة، فتح الرجل صفحة جديدة وبدأ يؤسس لعلاقة جديدة بين مصر ودول حوض النيل ويبنى شراكة جديدة، الجميع فيها رابح.
بدت الوفود الأفريقية فى غاية السعادة وهم يستمعون للرئيس مبارك يتحدث عن «عدالة النهر» التى لابد أن ننطلق منها لنبنى علاقة عادلة بين شركاء النهر، ونبنى المنطقة بأبنائها بعيداً عن التدخلات الخارجية ذات الهوى، وأن مصر بمقدراتها وقدراتها فى خدمة التنمية فى المنطقة، تنمية عادلة تمنح الجميع حق الانطلاق وتصنع للجميع فرص النمو.
أطلق الرئيس مبارك مبادرة لإنشاء تجمع جديد يضم دول حوض النيل.. يتجاوز ملف الموارد المائية «التى ستكون أحد محاور اهتمامه»، وينطلق إلى آفاق تنموية وسياسية أرحب، مبادرة تتطلع لسوق مشتركة، ومنطقة تجارة حرة، واستثمارات تفتح أبواب الأمل والنمو للجميع، وتعاون فنى وتقنى وثقافى وأمنى.
أعلن الرئيس مبارك كذلك عن إصداره قرارات وتوجيهات عاجلة للحكومة، بتقديم امتيازات فى الجامعات المصرية لدول حوض النيل ومنح تعليمية مجانية، إلى جانب قرار بإنشاء ٣ جامعات مصرية فى إثيوبيا وكينيا وتنزانيا، و٤ مستشفيات مركزية عالية التجهيز فى رواندا وبوروندى وبنين وأوغندا، فى الوقت الذى قابلت فيه الوفود مفاجآته بتصفيق حاد.
لم يفرط الرئيس مبارك فى كلمته تلك فى نقطة مياه واحدة من حقوق مصر التاريخية فى النهر، لكنه تحدث عن عدالة الاستخدام وترشيده، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة ماء.
لم يكد ينته الخطاب ويغادر الرئيس مقر الاجتماع حتى بثت وكالات الأنباء نبأ عاجلاً، حيث أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس مبارك سيتوجه مطلع الأسبوع فى زيارة إلى إثيوبيا وكينيا هى الأولى له منذ ١٦ عاماً.. وسيدعو من هناك لعقد قمة لزعماء دول الحوض فى أسوان لبحث تفعيل مبادرة «التجمع الجديد».. وما هى إلا لحظات قليلة حتى توافدت برقيات الترحيب من زعماء هذه الدول.. وما هى إلا لحظات أيضاً حتى صحوت من النوم وتوجهت إلى شاشة التليفزيون باحثاً عن هذا الحلم الجميل.
sawyelsawy@yahoo.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق