الثلاثاء، 7 أبريل 2009



قمة العشرين قمة إنقاذ الدولار
د. حمزة بن محمد السالم
قمة العشرين هي قمة جدد فيها العالمُ البيعة للدولار الأمريكي بعد مبايعته الأولى عام 1944م في برتن وود. البيعة الأولى هي التي نصبت الدولار كعملة الاحتياط الدولية وتجديد البيعة اليوم هو إنقاذ لمكانة الدولار كعملة الاحتياط الدولية. وبخلاف الحُقب الزمنية القديمة، فالستون عاما في عصرنا المالي والعلمي الحديث تعد دهورا زمنية لما اعترى العالم فيها من التغيرات السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية. وكما تباعدت دهور هذا العصر فكذلك كان البون الشاسع بين البيعتين. في البيعة الأولى أتت أمريكا بقيادة زعيمها "المظفر" روزفلت لقمة برتن وود وهي البطل المنتصر الذي حارب دون حرية أوروبا واستقلالها الصوري مضحية بنصف مليون قتيل من الأمريكيين. أتت أمريكا بالأمس القريب البعيد إلى قمة برتن وود باقتصاد عميق بكر لم تمسه الحرب، فحُق لدولارها أن يتزعم عرش العملات ليكون عملة الاحتياط المضمونة بذهب أمريكا الوفير. وأما اليوم فقد قدمت أمريكا إلى قمة العشرين باقتصاد قد عاش عالة على العالم لأكثر من أربعين سنة، قد تمادى في العقد الأخير باستغلال الدولار حتى أتى بالقشة التي قصمت ظهر البعير. جاءت أمريكا إلى لندن اليوم وهي محملة بتاريخ مالي مليء بالألاعيب المالية بدءا من نقض معاهدة قمة برتن وود إلى الضخ اللا محدود للدولار. جاءت أمريكا إلى قمة العشرين وقد نهبت العالم أمواله وسلبت حرياته. أتت وقد خفضت راية الديمقراطية ورفعت راية الاستعمار. فعلام إذن يجدد العالم البيعة للدولار الأمريكي؟

العالم لم يجدد البيعة رغبةً بل رهبة من سطوة الدولار. شدد الدولار خلال ستين عاما قبضته على التجارة الدولية وفرض الدولار نفسه ثمنا للمواد الأولية وأحكم الدولار الخناق على احتياطيات وثروات العالم، فأصبح انهيار الدولار في الوقت الحاضر انهياراً للنظام الاقتصادي العالمي و ضياعاً لثروات العالم فكان لا بد للعالم من التعامل الأمثل مع سطوة الدولار وهيمنته، هذه السطوة والهيمنة التي أفرط الرئيس الأمريكي السابق في استخدامها .

أرضت أمريكا العالم بالتسخط على الرئيس السابق الذي أحيا في نفوس العالم معنى سطوة جبروت الإمبراطورية واحتل منابع شرايين الاقتصاد و نهب أموال العالم وقدمها قربانا لرفاهية الأمريكي وثمنا لسطوة الإمبراطورية لثماني سنوات مضت.

لم تتعهد أمريكا برفع قيمة الدولار بل هندست قرارات القمة لتخفيض قيمة العملات الأخرى. تعهدت أمريكا بضخ المزيد من الدولارات وطلبت من العالم أن يحذو حذوها فيضخ من عملاته فتنخفض قيمتها فتتساوى مع قيمة الدولار وينجو الدولار من ضعف مكانته كعملة الاحتياط بسبب فقدانه المستمر قوته الشرائية وبذلك ينجوا العالم من انهيار السيد (الدولار) الذي اعتادوا على العيش من فتات طعامه. وصدق الرئيس الأسود المحنك حين قال بعد قمة العشرين "الفرص تظهر في الأزمات إذا استخدمت جيدا".

ما قيمته خمسة ملايين مليون دولار من مختلف عملات دول العشرين ستُضخ في السوق المالية العالمية على شكل تخفيضات في الضرائب وزيادة في الإنفاق الحكومي. وأضف إليها عملات الدول الأخرى التي تعهد الصندوق الدولي بتقديم عملته المحاسبية غير المتداولة (حقوق السحب الخاصة) كغطاء واحتياط نقدي لعملاتها الوطنية عند الحاجة، ويصعب تقدير حجم قيمة هذه العملات التي ستصدرها هذه الدول الفقيرة من غير أرقام ، وكما قيل أعطني رقما أخط لك كتابا.

من المتوقع أن يُنشط الإنفاق الحكومي الموعود الاقتصاد العالمي فينقلب الانكماش ازدهارا فيزداد نمو الاقتصاد العالمي بمقدار 4 في المائة إذا أحسن الحاسب حساب العامل التضاعفي.

ولكن كل هذا الضخ من الأوراق النقدية سيرفع أسعار الذهب لتعكس القيمة الحقيقية لهذه الأوراق مما سيفسد كثيرا من خطط التحفيز التي ستفقد قيمتها الشرائية في ظل توقعات التضخم الذي سيوحي به ارتفاع أسعار الذهب. ولإزالة هذا المحظور قام مهندسو القمة بتحذير مضاربي أسواق الذهب العالمية بأن صندوق النقد الدولي سيقف مستعدا لتسييل احتياطياته من الذهب لمواجهة أي ارتفاع في أسعار الذهب. هذا التحذير أتى في صورة التعهد ببيع ما قيمته ستة مليارات دولار بالسعر الرسمي ( 42 دولارا للأونصة) أي ما يقارب 142 مليون أونصة من ذهب الصندوق أي ما يقارب 110 مليارات دولار (على ما أعتقد وإن كان لم يصرح بذلك). وهذا يشكل تقريبا كل احتياطيات الصندوق الذهبية مما يؤكد عدم جدية التسييل إلا عند وجود الحاجة الحقيقية لضبط توازن سعر الذهب.

كان ذلك شأن الذهب، الثمن خلقة، والذي لا وظيفة غالبة له غير ذلك فماذا عن السلع الأخرى. السلع الأخرى تمر في حالة انكماش لأسعارها بسبب العزوف عن شرائها في الأزمة الاقتصادية الحالية مما سيخفف آثار انخفاض القيمة الشرائية للعملات. فإذا عاد النمو وارتفعت الأسعار مرة أخرى و ظهرت آثار ضخ هذه التريليونات مستقبلا فلكل حادث حينها حديث.

هدف القمة المعلن إنقاذ الاقتصاد العالمي ومن الضروريات لإنقاذ الاقتصاد العالمي إنقاذ الدولار كما أوضحت سابقا. والمتأمل لحقيقة ديناميكية تنفيذ خطط القمة يكتشف بأنها خطط قائمة على التلاعب بالأرقام من غير تمثيل حقيقي لها.

فالتريليونات الخمسة ما هي إلا أرقام في الحواسب تحفز الإنتاج في المدى الزمني القصير لتدفعه للوصول إلى إمكانية الإنتاج التي يستطيع الوصول إليها حتى إذا وصلها محققا النمو المنشود انعكست هذه الأرقام تضخما سعريا لا فائدة حقيقية منه ولكنه بعد نجاحه في إخراج الاقتصاد من دائرة الهبوط عن خط الإنتاج المقدور عليه .

وأما تريليون صندوق النقد الدولي فهو في الواقع تعهدات لا تصل حتى إلى مستوى أرقام في حواسب الكمبيوتر كالتريليونات الخمسة. صندوق النقد الدولي يقدم ضمانات بنكية لتسهيل التجارة الدولية بـ 250 مليار دولار ولا يعني هذا أن الصندوق سيدفع أيا منها بل ستدفعه الدول المستفيدة، أما الصندوق فعمله يقتصر على أن يتعهد بالكفالة في حالة عجز الدولة عن السداد. وأما 250 مليار دولار التي سيصدرها الصندوق الدولي على شكل حقوق سحب خاصة (عملة الصندوق وهي محاسبية لا وجود لها تداولا) فهو رمز فقط من أجل تعزيز دور صندوق النقد الدولي الغابر كمزود للسيولة في العالم ولا يعني أن الصندوق سيصرف هذه الأموال. وأقرب مثال لتوضيح هذا المفهوم تعهد السعودية بمليار دولار لتعزيز الاحتياطيات النقدية الأجنبية لدولة لبنان زمن حرب إسرائيل ولا يلزم من ذلك أن لبنان استخدمها بل هو مجرد بث الثقة بالليرة اللبنانية لكي لا يجتمع الناس على بيعها فتنهار. والتعهد ببيع ذهب الصندوق لا يعني بيعه حقيقة كما أوضحت سابقا.

تعهدات الدول بالمساهمة في صندوق النقد الدولي لا تكون بتقديم مئات المليارات، فقل لي بربك من سيدفع تريليون دولار أو جزءاً منه لمنظمة لا تملك إنتاجا ولا سلاحا. وإنما تكون مساهمة الدول في الصندوق الدولي استثمارية كشراء سندات الصندوق أوقد تكون مساهمة بحصتها عند الحاجة في تغطية عجز حدث عند دولة هنا أوهناك ضمن المتفق عليه. ومثال ذلك لو احتاج الصندوق إلى 100 مليون لتغطية عجز عن سداد ضمان بنكي قُدم لإحدى الدول فسيكون نصيب المملكة منه 3.21 مليون ويصبح دينا على الدولة التي عجزت عن السداد أو أن يكون هناك موديل آخر يتفق عليه. وهناك الحصص المتفق عليها من قبل كسبعة مليارات من حقوق السحب الخاصة هي نصيب السعودية في الصندوق الدولي مما يعطيها 70000 نقطة، حيث إن كل نقطة تحصل عليها الدولة مقابل المساهمة بـ 100 ألف حق سحب خاص والذي يساوي دولاراً ونصف الدولار تقريبا أي أن السعودية مساهمة بما يقارب عشرة مليارات دولار. وعلى قدر المساهمة تحصل الدولة على قدرها في التصويت فصوت السعودية يساوي 3.21 في المائة من الأصوات وصوت أمريكا يقدر بـ 7 .16 في المائة من الأصوات لمساهمتها بما يساوي 55 مليار دولار مما أعطاها حق النقض (الفيتو) الذي يُعطى لمن حصته أكبر من 14 في المائة ولا تتمتع به إلا أمريكا التي مارست بهذا الحق كثيرا من الضغوط على دول آسيا، ومواقفها خلال أزمة نمور آسيا عام 1997 لم تزل ماثلة للذكرى والاعتبار لم يمحها النسيان.

وأخيرا فقد أضافت القمة إلى قراراتها نكهة الاعتذار والأسف لمن نُهبت أموالهم في أسواق الغرب وذلك بأن قررت القمة إقامة مجلس لتحقيق الاستقرار المالي لمراقبة المغامرات المالية وإصدار القرارات الخاصة بذلك، هذا المجلس وقراراته لن يلبث إلا ويلحق بقرارات الوحدة العربية والإسلامية.

كانت هذه الخطوط العريضة لما ظهر من نتائج القمة وما بطن منها. فأما ما ظهر فقد أعلنت عنه قرارات القمة وأما ما بطن فهو اجتهاد تحليلي مني يصيب و يخطئ. ووجه احتمالية إصابته هو المقابلة المنطقية بين الأرقام والحقائق والنظريات الاقتصادية ووجه احتمالية خطئه هو افتراض وجود المنطق عند المجتمعين في قمة العشرين والذي لا يلزم وجوده. وأمر آخر يجر إلى الخطأ وهو تأثير العامل التاريخي في طريقة التفكير، والتاريخ قد أصبح متغيرا إلى حد أفقده قوته التنبُّئِية القديمة.







هل ستفلس أمريكا؟
د. حمزة بن محمد السالم
الفقر والإفلاس كلمتان تختلط مفاهيمهما وبالتالي دلالاتهما على كثير من الناس. الفقر والإفلاس لا يلزم من أحدهما الآخر وليس أحدهما بمستلزم للآخر، فالمفلس قد لا يكون فقيرا والفقير قد لا يكون مفلسا. وقد يشتهر بين الناس ما يغلب حدوثه فيعمم مفهوم الغالب على الكل بدلا من الجزء فتصبح الكلمتان بدلا ومبدلا منه، أو قد تصنف تحت اعتبار أنهما كلمتان إذا اجتمعتا تفرقتا وإذا تفرقتا اجتمعتا كالفقير والمسكين والمسلمين والمؤمنين وكذلك الفقير والمفلس. والأصح عموما أن يقال إن النص والمناسبة والمحيط الذي وردت الكلمة ضمنه هو الذي يعطي المقصود الحقيقي لمفهوم الكلمة والمراد من دلالتها الذي تبنى عليه النتائج والأحكام.

الفقير هو من يعجز عن توفير احتياجاته الضرورية بينما المفلس هو من يعجز عن سداد مستحقاته المستحقة عليه، فعدم الاستطاعة بالوفاء بمستحقات الدين، سواء فوائده أو أصله، هو إعلان لإفلاس الدولة أو المنظمة أو الشركة. أما العجز عن شراء الضروريات لضعف الاقتصاد أو لتفشي الفساد الإداري فهو ما يطلق عليه مصطلح الدول الفقيرة. وهناك منزلة بين المنزلتين، وهي انهيار قيمة العملة المحلية. فهي إما أن تكون بسبب كثرة طباعتها، أي العملة المحلية، من غير غطاء اقتصادي لها فهذا يدخل تحت فقر الدولة، وإما بسبب عدم سدادها المستحقات المستلزمة عليها فهذا يدخل تحت إفلاسها.

تتناقل الأخبار هنا وهناك عن إفلاس أمريكا القريب والعاجل، بل إن هناك منقولات عن بحث نُشر في فترة بوش الابن السابقة من أحد المنتسبين لأحد البنوك المركزية في الولايات الأمريكية والذي فلسف الباحث فيه أن أمريكا قد أفلست فعلا. (والمقال هنا لا يتسع لشرح كيفية قراءة مثل هذه الأطروحات التي يتحاور الأمريكيون حولها والتي يجب أن تفهم تحت ضوء طريقة الحوار والتفكير والنقاش المتبع في ثقافة تلك البلاد).

وعودة إلى إفلاس أمريكا، فإن إمكانية تحقيقه يعني عجز الحكومة الفيدرالية الأمريكية عن سداد مستحقات فوائد السندات الحكومية (والتي تتعدى قيمتها 11 تريليون) أو عجزها عن سداد أصل قيمتها عند حلول وقت سدادها، فهل حدوث ذلك ممكنا؟

وبالأضداد تتضح المسألة. حكومات الولايات، الـ 50 ولاية، أو الحكومات المحلية قد تعجز عن سداد مستحقات سنداتها، وقد حدث ذلك مرارا وتكرارا من قبل وسيحدث من بعد وما كان ذلك ليكون إلا لأن هذه الحكومات المحلية ليس لها بنك مركزي خاص بها يتعهد ويلتزم بسداد مستحقاتهم المستلزمة عليهم، وليس الحال كذلك مع الحكومة الفيدرالية. البنك الاحتياطي الفيدرالي هو البنك المركزي للولايات المتحدة وهو المسؤول والمنظم لجميع الاحتياجات النقدية للحكومة الفيدرالية. وهذا البنك هو الذي يملك صلاحية طبع الدولار (نقر الأرقام في الحواسب الآلية) لذا فدولاراته تسمى "بالمال ذي القوة العالية" وهو أصل توليد المال بعد ذلك، وعلى حد علمي فإنني لم أر قاعدة نقدية تسمى رسميا بالمال ذي القوة العالية إلا الدولار فلعل الذي أطلق ذلك عليه كان يرمز إلى أن الدولار هو الذهب فلذا فهو يطبع من غير غطاء نقدي بالكلية إذ إن نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى القاعدة النقدية الأمريكية لا تكاد تذكر قي الحقيقية. وإصدار الدولارات هو في الواقع سلسلة من الإجراءات الصورية المعقدة التي تنتهي إما بدولار يدور في النظام المالي العالمي بيعا وشراء لذاته مهمته الأساسية المقايضة لسلع وخدمات حقيقية أو نقدية أو مالية، وإما سندا حكوميا يدور كذلك في النظام المالي العالمي بيعا و شراء لذاته، مهمته الأساسية هي استيداع الثروة بالنسبة للمستثمر وأداة للتحكم في المعروض النقدي في يد السياسة النقدية ومصدر للتمويل بالنسبة للحكومة الأمريكية، وهذا اختزال قد لا يفهمه إلا المتخصص وسأحاول تبسيطه مستقبلا ـ إن شاء الله تعالى.

وقانونيا فإنه لا حد يحد الحكومة الأمريكية من طبع الدولارات إلا ممانعة مجلس الشيوخ والنواب، وأما اقتصاديا فلا حد يحدها إلا أن يعجز البنك المركزي عن بيع هذه السندات ولو بأسعار فوائد عالية وهو ما لا يمكن حدوثه وأمريكا في حالها هذه، موحدة ولاياتها آمنة على أرضها مهيمنة على العالم، سياسيا في قوتها العسكرية واقتصاديا بعمقها المالي والحقيقي. وهذا ما يفسر هروب أصحاب رؤوس الأموال إلى السندات الأمريكية كملجأ آمن للحفاظ على الثروة في هذه الأزمة، أضف إلى ذلك أن عملتها الوطنية هي عملة الاحتياط العالمية التي يشترى بها النفط والأرز والذهب. إذن فعجزها عن بيع السندات وإعادة التمويل غير ممكن في الوقت الحاضر. وهذا ما يشرح مواصلة خطط الإنقاذ المعلنة من الحكومة أو غير المعلنة من البنك المركزي والتي أدت إلى طبع تريليونات الدولارات من غير أن يؤدي ذلك إلى انخفاض في قيمة الدولار. ولكن ما الذي يفسر المستند الاقتصادي وليس السياسي الذي يستند إليه المشرعون في مجلس الشيوخ والنواب في اعتراضهم على خطط الإنقاذ الأمريكية؟ الجواب هو أن نظريات الاقتصاد الأكاديمية، والتي أطاحت بالرئيس بوش الأب، هي المستند الاقتصادي للحزب المعارض من أجل معاكسة الحزب الحاكم. النظرية النقدية هي نظرية اقتصادية منطقية وواقعية ولكن غير قابلة للتطبيق على أمريكا في الوقت الحاضر.

هذه النظرية تقول إن زيادة إصدار النقود من غير زيادة لكمية السلع والخدمات في المجتمع ستؤدي إلى الارتفاع الاسمي للأسعار التي تُسعر بها هذه السلع. ولكن ماذا عن إنتاج سلع مالية لامتصاص فوائض الدولارات فيستمر التوازن بين كمية الدولارات وكمية السلع والخدمات في المجتمع الاقتصادي مما يبقي الأسعار على وضعها الراهن؟ وهذا هو في الواقع ما تفعله السندات الأمريكية، فهي سلع مالية تضاف إلى السلع الحقيقية فتمتص بها الفوائض المالية. ولكن السؤال الذي يرد على الخاطر، لم لا يتمرد العالم على هذه السندات فيتوقف عن شرائها فتتزايد كمية الدولارات في النظام المالي العالمي فتتدهور قيمة الدولار إلى الصفر؟ هنا سنرجع إلى المنزلة بين المنزلتين التي أشرت إليها سابقا. فلكي يحدث ذلك، فإما أن الاقتصاد الأمريكي لا يكفي لتغطية هذه الدولارات إلى حد إيصال قيمتها إلى الصفر أو قريبا منه مما يستلزم منه تصنيف أمريكا ضمن الدول الفقيرة وهذا غير صحيح ومكابرة للحقائق وإما أن تعلن أمريكا إفلاسها فتتوقف عن سداد مستحقات السندات من أجل الحد من كمية الدولار الموجود في النظام المالي العالمي فتكون النتيجة عكسية، حيث ستضيع الثقة بالدولار فتنتهي قيمته إلى الصفر أو ما يقاربه كالروبل الروسي وهذا غير ممكن فكيف يمكن أن تنقذ أمريكا قيمة الدولار بإفقاد الثقة عنه بتوقفها عن السداد ولو بطبع مزيد من الدولارات. وهذا في الواقع هو السبب الرئيس الذي يستحيل من أجله أن تفلس أمريكا، ولكن تناقص قيمة الدولار نسبيا وبالتدريج لانصراف الناس عنه لسبب أو لآخر (لا يتسع المقال لفرض الفرضيات الممكنة) هو الممكن جدليا وفرضيا ولا أقول به.

وفلسفيا فإن غياب وجود ثمن حقيقي كالذهب، لا اعتباري كالدولار هو ما خلق هذه المعضلة العويصة للعالم الحديث. فالعالم في حاجة إلى ثمن حقيقي يلجأ إليه لحفظ الثروة من زوال قيمتها وبحاجة إلى ملجأ آمن يلجأ إليه في زمن الأزمات بعيدا عن أهواء الزعامات والسياسة. وهذا يبين حكمة الله في تعلق الأنفس بالذهب لأنه جل جلاله خلق ذلك فطرة في خلقه وجعل الذهب ثمنا خلقه. فدينار ذهبي مسكوك في كوريا الشمالية عليه صورة هتلر في جانب وكاسترو في الجانب الآخر سيلقى قبولا في أمريكا وفلسطين. وبقدرة الله وعلمه لم يعد الذهب ثمنا بل سلعة من السلع فلم يكن هناك من بديل إلا السندات لحفظ الأموال من التناقص المستمر لقيمتها. ولكن السندات ليست ثمنا فلا يمكن استخدامها لشراء السلع بل هي سلعة في حد ذاتها تباع وتشرى فلا بد من اللجوء إذن إلى عملتها وهي الدولار والدولار لا حد له والثمن يجب أن يكون محدودا مما جعل انخفاض قيمته أصلا فيه وهو تبع لسياسة الساسة في أمريكا لا للعرض والطلب الحر فأين المفر؟ قال ابن خلدون: "إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول، وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب، وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان (يقصد الأثمان الاعتبارية) ، فإنما هو لقصد تحصيلهما لما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق ( أي تغير قيمتها كالدولار واليورو) التي هما عنها بمعزل (أي الذهب والفضة)".

وبالفلسفة نختم هذا المقال ولعل مقال الأسبوع المقبل في شرحه لكيفية إمكانية إفلاس الدول الأخرى غير دولة الدولار يُكمل ما نقُص اليوم.







متى تفلس الدول؟
د. حمزة بن محمد السالم
كانت الدولة قديما تتحصل على احتياجاتها المالية، سواء نقدا كالذهب والفضة أو سلعا كالأنعام والسلاح، عن طريق الغنائم والجبايات (كالزكاة والخراج) أو عن طريق الضرائب (كالمكوس والإتاوات). فإن عجزت الدولة عن تحصيل ما يغطي نفقاتها لعجزها العسكري في تحصيل الغنائم أو ضعفها السياسي لتحصيل الخراج أو فقر مواطنيها عن دفع الزكاة، اضطرت الدولة إلى الاستدانة من البعيد والقريب. حتى إذا عجزت عن السداد أفلست الدولة وقدمت العذر للعدو الداخلي والخارجي فتقوم على أطلالها دولة أو دويلات جديدة. واختزالي لسقوط الدول بإفلاسها الاقتصادي أتى من حقيقة أن المال في الغالب هو من يجهز الجيوش ويشتري الولاءات ويشفي الصدور ويذهب غيظ القلوب. فالإفلاس الاقتصادي تظهر نتائجه خلال عمر الشخص الواحد، وأما الإفلاس السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي فغالبا ما تتطلب ظهور نتائجه أجيال عدة.

وعلى خلاف بساطة فهم المسألة وإدراكها قديما، فإن المفهوم الحديث لإفلاس الدول اقتصاديا يصعب تحديده والجزم به، وإمكانية وقوعه تحتاج إلى تفصيل طويل. فالأوراق النقدية المبنية على الثقة فقط قد جعلت من إفلاس الدول أمرا ممكنا نظريا صعبا تطبيقيا في الواقع طالما أن الدولة لم تنزلق إلى فخ الاستدانة بالعملة الأجنبية.

ولتقريب المسألة، ففي العصر الحديث عندما تحتاج الدولة إلى الإنفاق الداخلي فما عليها إلا أن تصدر سندات تبيعها على البنك المركزي الذي يقوم بدوره بطباعة الأوراق النقدية من غير غطاء مقابل هذه السندات. هذه الأموال إن لم تنجح الدولة في إيجاد بضائع وسلع حقيقية تساوي قيمتها قيمة هذه الأوراق، أو عجزت عن إيجاد زبائن يشترون هذه السندات من البنك المركزي من أجل امتصاص هذه الأوراق الجديدة على السوق المالية فستتناقص قيمة العملة داخليا, ما ينتج عنه تضخم سعري يعكس القيمة الحقيقية لهذه الأوراق. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك فنزويلا التي عجزت أن تجذب المستثمرين لشراء سنداتها في التسعينيات رغم أنها رفعت سعر الفائدة عليها إلى ما يصل إلى 100 في المائة وتناقصت قيمة عملتها 1000 في المائة ولكنها لم تفلس. وتخفيض قيمة العملة عن طريق زيادة طباعتها من أجل الإنفاق الحكومي هو في الواقع الحيلة السياسية النقدية التي يتجنب السياسيون باستخدامها التبعيات المؤلمة سياسيا التي تنتج عن زيادة الضرائب لتغطية العجز في الإنفاق أو بسبب إيقاف الإعانات أو الخدمات العامة المجانية.

وأما إذا أرادت الدولة أن تحافظ على قيمة العملة الوطنية فإنها تتحصل على احتياجاتها المالية عن طريق بيع سنداتها (التي هي بالعملة المحلية) للبنوك وللشركات والمستثمرين وبهذه الطريقة لا تزداد كمية الأوراق النقدية في المجتمع الاقتصادي، حيث إن الأموال التي تحصل عليها الدولة هي من الأوراق الموجودة أصلا في النظام المالي, وبذلك تحافظ الدولة على قيمة العملة أو معدل الصرف، والحافز عادة على ذلك هو المحافظة على نظام ربط معدل الصرف للعملة المحلية، وهذا قريب مما فعلته الدولة السعودية في التسعينيات. والمشكلة في هذا النموذج أنه حل لفترة زمنية قصيرة قد يصعب إعادة التمويل فيها لعدة مرات ما سينتهي بالدولة إلى النموذج الأول وهو بيع السندات للبنك المركزي الذي يقوم بدوره بطبع أوراق نقدية جديدة من أجل سداد المستحقات المالية فتزيد كمية الأوراق في النظام المالي فينكسر نظام الربط وتنهار قيمة العملة ولكن الدولة لم تفلس كذلك.

فإذن عند التأمل فكلا الحالين لا يمكن أن يؤدي إلى إفلاس الدولة طالما أن السندات مقومة بالعملة المحلية لأن الوفاء بمستحقاتها لا يكلف الدولة إلا طباعة العملة، وغاية الأمر أن ينكسر نظام الربط في العملة المربوطة وتزداد الأصفار بجانب الأرقام في كلا الحالين والخاسر الأكبر هنا هم حملة السندات والمحتفظون بهذه الأوراق التي ستنهار قيمتها بانهيار قوتها الشرائية، وأما الدولة فيكون ذلك طريقة سهلة لشطب ديونها والتخلص منها ولكنها طريقة مكلفة بسبب خسارتها للثقة بنظامها النقدي وهو في الواقع خسارة عظيمة ينتج عنها عدم الاعتراف بعملتها دوليا ومحليا (وتفصيل هذه الخسائر يأتي في موضع آخر مستقبلا).

وهناك صور أخرى من إفلاس الدولة الاقتصادي وهو كون عملة الدولة مربوطة بأقوى أنواع الربط للعملة ألا وهو رباط العملة الموحدة كاليورو. ففي هذه الحالة الدولة ليس لها حق طباعة الأوراق النقدية بل عليها استخدام نموذج إصدار السندات وبيعها على المؤسسات المالية والتجارية القائمة، أي أنها لا تطبع أوراقا جديدة, بل تتمول من الأوراق الموجودة أصلا في النظام المالي. ويحق لهذه البلد أن ترفع معدل الفائدة لجذب المستثمرين إليها كما فعلت النمسا الشهر الماضي. فلو لم تستطع الدولة سداد مستحقاتها قد تعلن إفلاسها وتُتخذ الإجراءات المناسبة بعد ذلك التي منها ما قد يصل في حالات معينة إلى طرد الدولة من الاتحاد النقدي الأوروبي, وهذا ما لا يمكن حدوثه إذا كانت رغبة أوروبا لا تزال قائمة في فرض عملة دولية قوية تنافس الدولار. إذن فدول أوروبا هنا في وضع الإفلاس كوضع ولايات أمريكا الـ 50 التي سبق التحدث عنها في المقال الماضي.

وأما إذا استدانت الدولة (أي دولة سواء كانت ضمن اتحاد نقدي أو لم تكن) بعملة أجنبية, ولم تستطع السداد لرأس المال أو الفوائد المتحصلة عنه فهذا ما يمكن أن يطلق عليه إفلاس الدولة.

وأحدث مثال على إفلاس دولة في العصر الحديث، عصر الأوراق النقدية غير المغطاة بثمن حقيقي، هو الإفلاس الرسمي لدولة أيسلندا. فالدولة ببساطة قد عجزت عن سداد ديونها الخارجية (خارجية أي بالعملة الأجنبية) وبالتالي فقد أصبحت عملتها المحلية الكرونا لا قيمة لها خارج حدود أيسلندا، وهناك دول الآن تُهدد وتزبد مطالبة أيسلندا بالسداد. وكون أيسلندا خارج الاتحاد النقدي الأوروبي قد أذهب وألغى الحافز لأي دولة أوروبية من الاتحاد لكي تقوم بالمساعدة أو التدخل لإنقاذ أيسلندا من الإفلاس, كما فعلت دول أوروبا الغربية مع دول أوروبا الشرقية خلال هذه الأزمة أو كما فعلت أبو ظبي مع دبي. لأن إفلاس دولة من أوروبا الشرقية سينعكس على اليورو وعلى الدولة الأوروبية المرتبطة بها اقتصاديا أكثر من غيرها، وكذلك إفلاس دبي سينعكس على الدرهم. فأما في حالة اليورو فسيسبب إفلاس دولة من الاتحاد تناقصا لقيمة اليورو وإزعاجا لليورو كعملة دولية، وأما في حالة دبي, فإن إفلاسها لعجزها عن سداد ديونها الأجنبية قد يجعل من البنك المركزي الإماراتي عاجزا عن الدفاع عن ربط الدرهم بمعدل الصرف الحالي, ما سيؤدي إلى عمليات بيع للدرهم وهروب متضاعفة ككرة الثلج التي قد تقضي على احتياطيات الدولة وتشل نظامها المالي.

وعودة إلى إفلاس أيسلندا, فبعد أن خصصت الدولة البنوك المحلية، تورطت هذه البنوك في عمليات ضخمة للتمويل العقاري الأجنبي وشراء شركات مالية أجنبية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السوق المحلية، حيث أصبح ملاك المنازل والمستثمرين داخل أيسلندا يعتمدون على التمويلات الأجنبية في شراء بيوتهم وتشييد استثماراتهم واستهلاكاتهم, وذلك لأن الفائدة على التمويلات الأجنبية كانت أقل بكثير من الفائدة المحلية التي كانت مرتفعة بسبب ارتفاع التضخم المحلي. وهكذا فقد أصبحت هذه البنوك المحلية تعمل كوسيط مالي تقترض الأموال الأجنبية من بنوك الدول الأخرى بالعملات الأجنبية وتقرضها للداخل أو الخارج, فأصبحت مديوناتهم بالنقد الأجنبي وموجداتهم مقومة بالنقد الأجنبي، فعندما انهارت قيمة موجداتهم الأجنبية أو شُطبت عجزت البنوك المحلية من تسديد مديوناتهم الأجنبية مع انهيار قيمة الكرونا فقامت الدولة في محاولة إنقاذ فدائية! لهذه البنوك فاشترتها مما حول الإفلاس من البنوك على الحكومة نفسها. يا ترى من ورط أيسلندا في هذه العمليات المالية الأجنبية التي لم تستخدم فيها هذه القروض الأجنبية في بناء اقتصاد حقيقي لهم ككوريا الجنوبية مثلا؟ كيف مكنت أيسلندا الغريب من نفسها فاقترضت بنقده الأجنبي؟ هذا يعيدنا إلى بداية المقال، فبما أن حل الأزمة بربط الكرونا باليورو والمحافظة عليه غير ممكن والدولة لا تملك احتياطيات أجنبية فلم يبق حل أمام أيسلندا الآن إلا الانضمام للوحدة النقدية الأوروبية وتبني اليورو وهو ما كان المحافظون هناك من أشد المعارضين له. فهل ما حدث في أيسلندا خطأ اقتصادي أم مطب سياسي؟

وبعد فلعل مفهوم الفرق بين الثمن الحقيقي كالذهب وبين الثمن الاعتباري قد اتضحت بعض معالمه وبالتالي نتائجه. ما أبسط مفهوم إفلاس الدول قديما وما أشد تعقيده حديثا فكيف تقاد الأمة اقتصاديا بقوم استسقوا معلوماتهم من تراجم لاقتصاديات القرن الـ 18 ميلادي ثم فرضوا أنفسهم على الأمة ، مستغلين جهلها في دينها، يستحسنون لا يتبعون، يتلاعبون بالألفاظ كتلاعب الصبيان.







ما لم يذكر من خلافات قمة مجموعة العشرين!!!
نبيل بن عبد الله المبارك
تحدثنا في الأسبوع الماضي عن "دورنا في قمة العشرين" والذي كان عنوان مقال يوم الأربعاء 25 مارس 2009، عشية انعقاد القمة. وقلنا إن العشرين دولة الممثلة في القمة تنقسم إلى مجموعتين. الأولى الحرس القديم للرأسمالية، والأخرى، المنافسون الجدد لها بمفاهيم جديدة، وقلنا إن المجموعة الأولى تتشكل من فريقين بينهما خلافات كثيرة وكبيرة في كيفية التعاطي مع الأزمة، لكنهم في المقابل لديهم هاجس الرؤوس الجديدة التي بدأت تنافسهم في العرش العالمي وبالذات الصين. إذاً، لديهم هم مشترك وخلافات جزئية. لكن هذا الفريق لديه فن إدارة الخلافات أيضا!

والمجموعة الأخرى لقمة العشرين تنقسم إلى فرق ومشارب متعددة، ويصعب وضعها في مجموعة واحدة. ولكن بهدف تنظيم التفكير حصرناها في ثلاثة فرق. فريق أول تمثله الدول التي تشكل فعلا تحدياً حقيقياً لأمريكا وأوروبا وهي الصين وروسيا والبرازيل والهند. وفريق ثان بحاجة إلى وقت لمعرفة الاتجاهات العالمية. وفريق ثالث بحاجة إلى معرفة نقاط القوة والضعف لديه حتى يتمكن من الاستفادة من وجوده في مستوى أقوى عشرين دولة على مستوى العالم، رغم كونه لا يسعى للمنافسة.

اليوم بعد مرور أسبوع على انعقاد القمة، والبهرجة الإعلامية التي صاحبت نتائجها، من خلال تغطية مكثفة والتركيز على الأرقام حيث يعلم الجميع تأثير الأرقام في عقول المتلقين. تحدث الجميع عن 1.1 تريليون دولار حتى 2010 لصندوق النقد الدولي والصناديق التنموية وكذلك لدعم وحدات السحب الخاصة. وعن خمسة تريليونات دولار مجموع ما أنفق وسوف ينفق من قبل دول تلك المجموعة لتشجيع أسواق تلك الدول، حيث سوف تضخ في الأسواق العالمية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وعن إجراءات متعددة لحماية حرية الأسواق والابتعاد عن الحمائة، وكذلك تطوير أساليب الإشراف والرقابة على الأعمال المالية وبالذات أعمال القطاع المصرفي والمنتجات والمشتقات المالية. خرجت القمة بشبه إجماع غير مسبوق على معالجة الأزمة المالية العالمية، رغم أن ذلك متفق عليه منذ القمة السابقة!

وهو الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على أسواق المال العالمية وتفاعلت بشكل إيجابي مع تلك النتائج. رغم ذلك علينا أن ندرك جيدا وأعتقد أن الفريق الاقتصادي السعودي يدرك ذلك أن ما لم يتفق عليه أكثر مما اتفق عليه، هذا أولاً. ثانياً، علينا أن نعي أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين لم ولن يكونوا بقوة التأثير نفسها بعد مرور الأزمة المالية العالمية. سوف يولد عالم جديد بمعايير قوى مختلفة، وعندما أقول يولد أعنى ما أقول، أي أن المولود الجديد بحاجة إلى وقت طويل حتى يكبر ويشتد عوده، وسيبقى الشيخ الكبير موجودا أيضا، فلا يعني وجود مولود جديد موت القديم، لكنها (الأسرة) العالمية بمواصفات مطورة. وسوف تظل سطوته حتى تتراجع قواه تدريجياً وتخور ومن ثم تفنى!


الآن ما الأشياء التي لم يتفق عليها فعلياً؟ إن أهم نقاط الخلاف، التي أشك أن نصل إلى حلول لها، النظرة الذاتية لكل دولة من دول العشرين. على أرض الواقع الجميع عمل قبل قمة العشرين الأخيرة وقبل قمتهم في 15 نوفمبر 2008م، واتخذت الدول إجراءات كاملة كفيلة بحماية نفسها وتصحيح أوضاعها وأوضاع شركاتها ومصارفها حسب منظورها الذاتي وليس حماية للاقتصاد العالمي. وسوف تستمر الدول في اتخاذ الإجراءات كافة لتقليل الخسائر وتعظيم الفائدة الذاتية، بل إن دولة مثل أمريكا أصبحت تأخذ من أموال الضرائب التي يدفعها الشعب الأمريكي وكذلك إصدار السندات، التي تمولها الصين وغيرها، التي تعتبر ديوناً لدعم فئة المصارف! الأمر الذي يعني ضرب العولمة في الصميم!

النقطة الثانية، كان هناك وبشكل واضح ونجاح يحسب لإدارة أوباما، بصرف نظر العالم عن مناقشة أهم مواضيع الخلاف وهو أسباب المشكلة، لأن تسليط الضوء على الأسباب الحقيقية للمشكلة يعني أن المعالجات سوف تنبع من التشخيص وهو ما يعني فشل فريق ونجاح آخر، وبالتالي يعني سياسيا أن الناجح عليه قيادة الخاسر إلى بر الأمان. وفي هذه الحالة أمريكا وأوروبا غير مستعدتين اليوم للتنازل عن القيادة أو تحاولان الاحتفاظ بها إلى أطول مدة ممكنة. وقد يكون من حظ أمريكا تسنم إدارة أوباما مقاليد الحكم في هذا التوقيت بالذات بحيث أعطى وجهاً جديداً وجميلاً لها جعل العالم أقل عدائية نحوها ولأسلوب إدارتها للعالم مقارنة بأشهر قليلة مضت، رغم أن الجوهر لم يتغير، ولكن الأسلوب أفضل. ونبقى نحن ما بين الجوهر والأسلوب نتعاطى مع النتائج، ولقلما ساهمنا في أي منهما. إذن تأجيل مناقشة جوهر المشكلة، الأمر الذي عني أن هناك رغبة أمريكية أوربية في تسويق تلك المنتجات السامة في مرحلة لاحقة على الدول الأخرى وآمل أن نكون واعين لذلك!

النقطة الثالثة هي تغيب مشكلة "الدولار الأمريكي الأخضر" وما المستقبل الذي ينتظره رغم أنه كما تقول أمريكا "الدولار عملتنا ومشكلتكم". وفي تقديري أن المشكلة سوف تعود مع طباعة مزيد منه لمقابلة الالتزامات الأمريكية تجاه زيادة مستوى مصروفاتها لإنعاش اقتصادها، وبالتالي سوف تجد الدول الداعمة للدولار سواء بإرادتها أو من دونها نفسها أمام ورقة تملكها، ولا تساوي شيئاً مقابل بيع ثرواتها ومنتجاتها! وهو الأمر الذي يجعل تلك الثروات تباع بأثمان بخسة وفي تراجع مستمر أيضا للثروات المتراكمة والقوة الشرائية لتلك الدول! الأمر الذي يفسر لماذا بدأ صوت الصين في الارتفاع قليلا وإن كان على استحياء! وقد لا تطول فترة الحياء هذه!

هذا يعني أننا نعيش عالمياً لحظة تاريخية لن نشاهدها خلال المائة عام القادمة، وقد تكون فيها فرصة عظيمة لنا كسعوديين، على وجه التحديد، لتحديد وبشكل عاجل مدى إمكانية الاستفادة من تلك الفرصة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة. وحتى يمكن لنا تحقيق أقصي مستويات الاستفادة يجب أن تكون لدينا رؤى واضحة لا لبس فيها لما يحدث على أرض الواقع، واستقراء تحليلي لما هو آت. لا أتحدث عن النخب، لكن هذا يسري على الجميع من مسئولين ورجال أعمال ومفكرين وإعلام ومواطن. يجب أن يكون لدينا مفهوم "إدارة الفرصة" واستغلالها لما فيه حماية مصالحنا أولاً، وتعظيم الاستفادة بحيث يكون لنا كلمة مسموعة ودور مؤثر مبني على معرفة دقيقة بنقاط القوة والضعف. وذلك حتى نبقى على القمة، لا يجرنا إلى الخلف 3 ملايين فقير يستفيدون من الضمان الاجتماعي حيث يشكلون نحو 15 في المائة من تعداد السكان.






قادة العشرين يطبلون لتسوية تاريخية لأزمة استثنائية



العرب اونلاين ـ جيهان لغماري السنوسي:وسط ضجيج قرع الأواني وإطلاق الصافرات خارج مركز المؤتمرات، اقتربت أكبر القوى الإقتصادية في العالم المجتمعة في العاصمة البريطانية لندن - فيما يبدو - من التوصل لاتفاق لإقامة نظام عالمي جديد ووضع الأساس لإنعاش الاقتصاد العالمي، حيث أكد ساركوزي أن القمة حققت "اكثر مما كنا نأمل".

ووافقت مجموعة العشرين التي تضم الدول الصناعية الرائدة و الاقتصاديات الناشئة على زيادة موارد صندوق النقد الدولي من خلال مضاعفة موارد الصندوق إلى 500 مليار دولار لمساعدة الدول النامية بشكل أفضل والتي تحاصرها الأزمات الاقتصادية .

وأكد قادة مجموعة العشرين في بيانهم الختامي أنهم إتخذوا اجراءات منسقة لم يسبق لها مثيل للتوسع المالي ستنقذ أو تخلق ملايين الوظائف ... وستصل قيمتها بحلول نهاية العام القادم الى 5 تريليونات دولار مما سيرفع الانتاح بنسبة اربعة في المئة ويسرع عملية الانتقال إلي اقتصاد متوافق مع البيئة.

وتعهدت البنوك المركزية في مجموعة العشرين بمواصلة سياسات للتوسع في الائتمان مادام ذلك ضروريا واستخدام جميع ادوات السياسة النقدية المتاحة.

لكن عالم الاجتماع سيغموند باومان لم يخف تشاؤمه عشية إختتام قمة مجموعة العشرين في لندن، منتقدا النظام المصرفي والأرقام الفلكية التي تم تخصيصها لتنشيط الاقتصاد العالمي.

ويرى باومان أن ضخ مثل هذه الأموال في الاقتصاد والأسواق المالية مغلقة، في محاولة لجعل البنوك تستعيد إيقاعها العادي، ولكن "هذه العادية بالذات هي مبعث الأزمة وسببها، إذن لماذا ندفع تريليون دولار للعودة لمثل هذا الوضع الذي نعتقد أنه عادي والذي أدى لظهور الأزمة أصلا".

واعتبر باومان إن نظام الاقتصاد العالمي هو نظام انتحاري في جوهره، وشبهه بالثعبان الذي يلتهم ذنبه، حينما يبدأ الثعبان في أكل ذنبه قد يشعر باللذة بادئ الأمر، ولكن بمرور الوقت يصعب عليه هضم ما التهم، وفي النهاية سوف لا يتبقي ما يأكله. هذا بالضبط ما يحدث للنظام المصرفي ونظام الإقراض".

غير أن رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون بدا، خلال مؤتمر صحافي في ختام القمة، منتشيا بالنجاحات غير المسبوقة التي حققها قادة العشرين، أهمها انبثاق "نظام عالمي جديد" من الازمة الاقتصادية العالمية الراهنة.

وإتفق زعماء مجموعة العشرين ايضا على خطة تبلغ قيمتها 250 مليار دولار لدعم التجارة الدولية مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومقرها باريس وحذرت عشية القمة من أن التجارة الدولية تعاني من تراجع كبير في ظل تفاقم الركود.

لكن محللين قالوا انه يتعين على الدول التحرك بسرعة للمساعدة في استمرار تدفق حركة التجارة التي تباطأت منذ أن ألحقت الأزمة المالية الضرر بثقة المستهلكين وقيدت فرص الحصول على قروض وأموال.

يذكر أن ممثلون عن عشرين بلدا، اتخذ سبعة عشر منها إجراءات حمائية لصالح اقتصاداتها.

وتضغط دول الاقتصاديات الصاعدة الممثلة في مجموعة العشرين ، مثل الصين ، من أجل إدخال تعديلات على المؤسسات المالية الكبرى في العالم في إطار جهود إعادة تشكيل النظام المالي العالمي وبهدف تخفيف قبضة الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى على الهيئات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي.

وخلال مداولات القمة أعلن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون أنه تم التوصل بالفعل إلى إجماع كبير بشأن العديد من النقاط المهمة.

وقال براون خلال مشاورات القمة التي تستضيفها بلاده إن هناك "درجة عالية من الإجماع بيننا" بشأن مسودات اقتراحات إصلاح النظام المالي ومواجهة الركود العالمي.

ووقع الزعماء كذلك على خطط لإعداد قوائم سوداء للملاذات الضريبية وتشديد القواعد المالية واخضاع صناديق التحوط ووكالات التصنيف الائتماني للرقابة.

وجاء رد فعل الأسواق العالمية ايجابيا فارتفع مؤشر كبرى الشركات الأوروبية بنسبة خمسة بالمئة بعد ارتفاع مؤشر نيكي الياباني بنسبة 4.4 بالمئة.

وفي وول ستريت ارتفع مؤشر ناسداك المجمع بنسبة اربعة بالمئة وصعد داو جونز الصناعي بنسبة 3.6 بالمئة.

وفي الوقت الذي كان يجتمع فيه الزعماء في المركز التجاري الكبير بمنطقة "دوكلاندز" شرقي بريطانيا للتشاور في كيفية إصلاح النظام المالي كانت هناك احتجاجات صاخبة مناهضة للنظام الرأسمالي خارج مقر الاجتماع.

كانت الانقسامات ظهرت قبيل بدء القمة في ظل تشدد ألمانيا وفرنسا باصرارهما على ضرورة خروج القمة بقرارات محددة بشأن إصلاح أسواق المال العالمية بما يتماشى مع التغيرات التي طرأت خلال السنوات القليلة الماضية بفعل الوتيرة المتسارعة للعولمة.

وفي الوقت نفسه، عارضت باريس وبرلين الخطوات التي تزعمتها واشنطن لتقديم مزيد من إجراءات التحفيز المالي لمجابهة التباطؤ الاقتصادي.

يذكر أن السعودية هي الأكثر إنفاقا من بين الدول الأعضاء في مجموعة العشرين كما كشفت بيانات أصدرها صندوق النقد الدولي.

بيد أن نطاق التغيرات يعني أنه من المرجح أن تمثل القمة خطوة واحدة فقط على طريق طويل لإصلاح النظام المالي العالمي بعد أن تأكد عقد قمة ثالثة بشان الازمة المالية العالمية بحلول نهاية الخريف في اليابان لمتابعة تنفيذ ما اتفق عليه زعماء المجموعة في اجتماعهم في لندن هذا الاسبوع واجتماع واشنطن في نوفمبر تشرين الثاني الماضي..

وتمثل مجموعة العشرين حوالي 85% من النشاط الاقتصادي العالمي في ضوء ما تتألف منه من دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وكذلك الهند والصين والبرازيل.

يذكر أن تكاليف استضافة قمة مجموعة العشرين ستكلّف الاقتصاد البريطاني 80 مليون جنيه استرليني "نحو 117.4 مليون دولار" أي أكثر وبمعدّل أربع مرات من التقديرات الحكومية.

وفيما اعتبر براون أن هذا هو اليوم تارخي حيث اتفق فيه العالم على التصدي للكساد العالمي. ليس بالكلمات بل بخطة للانعاش العالمي والاصلاح وبجدول زمني واضح، يرى مراقبون أن جذر المشكلة تعمق بمزيد من الانفاق ليس إلا.

ليست هناك تعليقات: